خطاب

عبد الرحمن الكواكبي

التربوي

 

 

 

دكتور

أحمــــد مختار مكـــــــي

 

مقدمة

 

   تسعى كل أمة إلي البحث في تاريخها الفكري الذي يمثل نتاج العقل الإنساني في نواحي الحياة كافة،ليس بهدف اجترار الماضي، لكنه سعيا وراء الاستفادة من هذه التجارب الفكرية، فلا معنى من دراسة الفكر دون ترجمته إلي واقع نسعى من خلاله إلي تطوير وتحسين الواقع المعاش.

 

   وما أحوج الأمة العربية والأمة الإسلامية في هذا العصر الذي يتسم بالمتغيرات السريعة والمتلاحقة، والصراع بين التيارات الفكرية والمذهبية أن تلجأ إلي فكرها الأصيل، لا لتتشرنق فيه، بل تجعل منه ركيزة من ركائزها التي تستند إليها في طريق تقدمها وتطورها.

 

   وعبد الرحمن الكواكبي(1854ــ 1902) واحد من الذين أثروا فكر هذه الأمة، بمواقفه وكتاباته التي تشهد على ذلك وللجانب التربوي أهمية خاصة في فكر الكواكبي" فالكواكبي الذي عاش منذ قرن من الزمان عندما يكتب عن التربية، فإنه يتحدث عن عصرنا نحن، بل وبأحدث المفاهيم التربوية التي ندرسها اليوم"(31ـ131)، وذلك يجعل من دراسة النتاج الفكري التربوي له أهميته الخاصة.

 

   ويتناول هذا البحث الخطاب التربوي عند عبد الرحمن الكواكبي، ويرى الباحث أن هذا الخطاب يحتاج إلي تحليل، ويمكن الاستفادة منه في تحسين وتطوير العملية التربوية، والمقصود بمصطلح الخطاب التربوي، هو الجمع بين المرسل والمتلقين في صورة تواصل، والخطاب دائما يتجه إلي الآخرين، وما تضمنته كتابات الكواكبي يدل على أنها رسالة مقصودة  منه موجه إلي الأمة العربية الإسلامية.

 

   ويسعى هذا البحث إلي تحليل هذا الخطاب التربوي من خلال كتابي الكواكبي ( طبائع الاستبداد و مصارع الاستعباد ، وأم القرى )، بغية تأصيل هذا الفكر الصادر في خطاب الكواكبي، والاستفادة منه في وضع التصورات التربوية التي تستهدف تطوير العمل التربوي وحركة الفكر التربوي العربي.

 

مشكلة البحث وأهميته

 

   تتمثل مشكلة البحث في مشكلة الفكر التربوي العربي، الذي مازال يبحث عن هويته، بعد أن ظل لفترات طويلة ينقل عن الفكر الغربي، وأصبح ما يسمى بالفكر التربوي العربي المعاصر، ليس سوى تجميع لمجموعة آراء تربوية غربية، مما حدا بأحد أساتذة التربية العرب إلي القول" لقد آن للنظام التربوي العربي حقا أن يهجر التقليد، تقليد النموذج التربوي الغربي، وآن له أن يولد نظاما تربويا عربيا، جديد في أصالته وأصيلا في تجديده، فالتجديد كل لا يتجزأ، إنه يعني في آن واحد تجديد التربية التقليدية كي تلتقي بجديد العالم. وتجديد حصاد التربية الحديثة، وهو الدفقة الحضارية التي تقدمها الثقافة العربيـة الإسلاميــة للعـالم ولمستقبلـه"(23 ــ81).

 

   وتتمثل أهمية هذا البحث في ما يأتي :ـــ

ــ يأتي هذا البحث خطوة في طريق جهود الباحثين التربويين العرب، من أجل تأصيل الفكر التربوي العربي، وصياغة فكرا تربويا عربيا حديثا يتلاءم مع متغيرات العصر ومتطلباته.

ــ أن الفكر التربوي الحديث في أي مجتمع لا ينشأ من فراغ" شأنه شأن الفكر علي وجه العموم كائن حي، متصل الوجود، لا يبدأ من الصفر، وإنما هو وليد مراحل سابقة"(16ـ9).

ــ أن الخطاب التربوي للكواكبي الذي يحمل رسالته الفكرية التربوية إلي الأمة، يمثل عمقا للفكر التربوي العربي مما يجعله جديرا بالدراسة والاهتمام، وهذا ما أشار إليه( محمد عمارة)، "دون أن نتهم بالمبالغة، أن الأفكار والآراء التي كتبها الكواكبي، والتي يمكن أن تجمع تحت عنوان التربية، جديرة بأن تكون موضوعا لرسالة ينال بها صاحبها درجة( الماجستير) أو (الدكتوراه) من أحدى كلياتنا الجامعية، ومن (كلية التربية ) على وجه الخصوص"(31ـ131).

ـ أن المعرفة التي نستلهمها من تاريخ فكرنا التربوي، تجعل لدينا معرفة بالموروث التربوي، لندرك ما أمامنا، ونبني رؤيتنا التربوية علي خلفيتنا الخاصة"(43ـ 6)

 أهداف البحث

    يهدف البحث إلي التعرف على:ــ

1ـ العوامل التي أثرت علي تشكيل الخطاب التربوي عند عبد الرحمن الكواكبي.

2ـ الأفكار والمفاهيم التربوية في الخطاب التربوي عند عبد الرحمن الكواكبي.

3ـ ما يمكن توظيفه في تطوير التربية في الوقت الحاضر.

أسئلة البحث

  يسعى البحث للإجابة عن الأسئلة الآتية:ــ

1ـ ما العوامل الشخصية والثقافية التي أثرت في الخطاب التربوي لدي عبد الرحمن الكواكبي؟

2ـ ما العوامل السياسية والاجتماعية التي كانت في عصره وكان لها أثرها في خطابه التربوي؟

3ـ ما الأفكار التربوية المتضمنة خطاب عبد الرحمن الكواكبي التربوي؟

 ما الذي يمكن توظيفه من خطاب الكواكبي في تطوير التربية في الوقت الحاضر؟

 منهج البحث

    يستخدم الباحث المنهج الوصفي لتحليل ووصف الخطاب التربوي للكواكبي، والمنهج التاريخي للتعرف علي العوامل التي أثرت في الخطاب التربوي لدى الكواكبي.

 مصطلحات البحث

    الخطاب التربوي : هو إرشادات ومعلومات ومعارف تصدر من المرسل بقصد تبليغ المتلقي توجيهات وإرشادات معينة ومعلومات ومعارف علمية  وإنسانية، يهدف من ورائها إلي تشكيل السلوك بطريقة تتناسب مع فلسفة مرسل الرسالة. (34ـ 103، 104).

  

 

العوامل المؤثرة في تشكيل خطاب

عبد الرحمن الكواكبي التربوي

 

   لا يمكن تناول الخطاب التربوي بمعزل عن منظومة المجتمع التي يعيش فيه صاحبه، ولا بمعزل عن فكر وثقافة ومبادئ مرسل الخطاب، وتؤكد دراسة (حسن الحجاجي) " بأن دراسة الأحوال السياسية والأوضاع الاجتماعية، والحركة العلمية والحياة الاقتصادية، كلها عوامل تؤثر مجتمعة في الأفكار والتوجهات لدى المفكر سلبا أو إيجابا"(9 ـ 41).

 

   ومن ثم يصبح تحليل خطاب الكواكبي التربوي دون تناول الظروف السائدة في عصره والتي أثرت في خطابة تناولا مبتورا، كما أن العوامل الشخصية للكواكبي لها أثرها في ذلك الخطاب.

  العوامل الشخصية

حياته

    ولد عبد الرحمن الكواكبي في " 23شوال 1271هـ الموافق 9 يوليو 1855 م، وهذا التاريخ الصحيح مسطر ولا يزال علي الإفريز الخشبي لنافذة الغرفة التي ولد فيها بدار أهله بحي الجلوم الصغرى بحلب، بخط والده الشيخ بهاء الدين أحمد مفتي حلب"(13 ـ  18 )أما وفاته، فكانت غير طبيعية حيث" أستأجر العثمانيون باسطنبول أحد عملائهم الذي حضر إلي القاهرة، ودس السم للكواكبي، فأدركته الوفاة الفجائية مساء الخميس 6 ربيع الأول 1320هـ الموافق 14 يونيو 1902 م، فأصاب الحزن، بل الذهول كل الأحرار والمناضلين لا في القاهرة فحسب، في مختلف أنحاء الوطن العربي الكبير"(31 ـ 41)، ويصحح حفيده هذا التاريخ للوفاة بأن " الثاني من يونيو 1902" (14 ـ 28)، ومن ثم تصبح الفترة التي عاش فيها الكواكبي ، هي فترة ضعف الخلافة العثمانية،وأواخر أيام دولتهم، وما شاب هذه القترة من الفتن والمظالم والتسلط .  

ثقافته

    أن البعد الثقافي لمرسل الخطاب التربوي،له أهميته الخاصة عند دراسة الخطاب التربوي، حيث إنه يوضح المنطلقات الفكرية لصاحب الخطاب، وحياة الكواكبي الثقافية حياة جديرة بالدراسة .

    تلقى الكواكبي تعليمه في المدرسة الكواكبية في حلب، التي شهدت والده مدرسا ومديرا لها، كما تعلم التركية بمدرسة( الشيخ ظاهر الكلزي) في حلب، والتي أضاف إليها تعلم الفارسية، فضلا عن اللغة العربية التي بلغ فيها المستوى الذي يصبو إليه رواد الفكر العربي ونابغوه، ولم تقتصر ثقافته علي العلوم التي اقتصرت عليها حياة العربية في عصور انحطاطها، بل امتدت لتشمل المنطق والرياضيات والطبيعة والسياسية، إلي جانب العلوم العربية والشرعية التي كانت سائدة في مثل البيئة العلمية التي نشأ فيها .( 31 ـ 20).

   كما أن " الكواكبي لم يكتف بالمعلومات المدرسية، فقد اتسعت آفاقه أيضا بالاطلاع علي كنوز المكتبة الكواكبية التي تحتوي علي مخطوطات قديمة وحديثة،ومطبوعات أول عهد الطباعة، فاستطاع أن يطلع علي علوم السياسية والمجتمع والتاريخ والفلسفة"(29 ـ  9 ).

    كان الكواكبي يهدف من وراء هذه الثقافة صالح الأمة لا صالحه الشخصي، يريد أن يدرس أحوالها علي أسس علمية، بغية أصلاح أحوال المجتمع العربي و الإسلامي" وأمضى الشطر الأكبر من حياته في دراسة أحوال المسلمين، وزار بلادهم مستطلعا ودارسا، وخرج من هذه الدراسة بكتابين خلدا ذكره هما ( طبائع الاستبداد) و ( أم القرى) "(15ـ 467)، وزار السودان والجزيرة العربية واليمن، وذكر ابنه (كاظم) الذي رافقه في أحدى رحلاته، أنه كان يجمع نماذج من صخورها ويحملها معه إلي مصر لدراستها، من قبل المتخصصين،لمعرفة الثروات المعدنية التي تحتويها الجزيرة، إذا لا تبدو الغاية من رحلاته دراسة أحوال الأمة العربية والإسلامية من الناحية السياسية والعسكرية فحسب، بل دراسة أحوال البلاد الاجتماعية والاقتصادية، كي يؤسس لدولة عصرية.(29 ـ 14)،" وقام برحلة شهيرة وهامة إلي بلاد المشرق زار فيها إفريقيا الشرقية والجنوبية، ودخل الحبشة، وسلطنة هرر،والصومال، وزار سواحل آسيا الجنوبية والهند، وبلغ جاوه، وطاف بالسواحل الجنوبية للصين"( 31ـ39، 40)،   يؤكد ذلك علي أن الكواكبي كان يهدف إلي أصلاح حال الأمة والعمل علي تقدمها، وبناء دولة عصرية تعيد للدولة الإسلامية مجدها، " لقد كان الكواكبي علامة فارقة في تاريخ الفكر السياسي العربي، حيث دعا إلي القومية العربية من خلال نقل الخلافة الإسلامية من الدولة العثمانية إلي العرب، كما كان من أنصار الجامعة الإسلامية وأكد على ضرورة الشورى وضرورة الارتقاء بالأمة، وأكد على أن كل دعاوى الإصلاح لابد وأن تربيط بالتعليم" (30ــ 12)    

 وظائفه

   تعددت الوظائف التي مارسها الكواكبي ، وكان لذلك أثره الواضح في خطابه التربوي، فإن تعدد الأعمال أتاح له فرصة الاطلاع علي أحوال الناس والتعرف علي معاناتهم في ظل الحكم العثماني في الفترة الأخيرة من عهد الدولة العثمانية.

    بدأ حياته بالكتابة إلي الصحافة، وعمل في صحيفة الفرات الرسمية لمدة سنتين، وأصدر صحيفة الشهباء وصحيفة الاعتدال،وكتب في معظم الصحف العربية التي تصدر في بلدان عربية أو غربية، ، وعين عضوا في لجنتي المالية والمعارف العمومية، ثم عضوا فخريا في لجنة امتحان المحامين، واشتغل بالمحاماه، ورئاسة المصرف الزراعي، وغرفة التجارة في حلب، وأسس شركة للتبغ مع تجار حلب. ( 29 ــ 10).

 صراع الكواكبي مع الدولة العثمانية

    "عز علي بعض المتحمسين أن يروا الشرق العربي منتكسا ذليلا، وعز عليهم أن يروا الدين يستغل في انحراف ضد مصالح الجماهير الشعبية التي كساها الجهل بطبقات من الصدأ والسلبية والكسل"( 15 ـ 466)، ومن هؤلاء كان الكواكبي، بل دون مبالغة كان من بين أشدهم حماسة، و يتضح ذلك من حدة صراعه مع السلطة، والتأمر عليه وتدبير قتله بالسم علي يد أحد أعوان النظام العثماني، كما سبقت الإشارة إلي ذلك.

    حاولت السلطة العثمانية تضيق الخناق علي الكواكبي، وقد عطلت له الصحف التي يصدرها، ولم تفلح في أغرائه بتولي المناصب الحكومية، وتتعدد محاولات الدولة العثمانية للتخلص من الكواكبي ومنها ما ذكرته ( ماجدة حمود)  استغلال تهديد والي حلب( جميل باشا) من قبل شاب أرمني كان يتدرب علي المحاماه في مكتب الكواكبي، فألصقوا له تهمة التحريض علي قتل الوالي وقبضوا عليه وتم تبرئته من التهمه، وفي عهد ( عارف باشا) والي حلب لفقت له تهمة التأمر مع الأرمن واستغل الوالي حادث إصابة القنصل الإيطالي بحجر، وحكم علي الكواكبي بالإعدام، وطلب إعادة محاكمته في بيروت وبرئ من التهمه، وعزل الوالي ، اغتصبت الدولة منه نقابة الأشراف ومنحتها لأبي الهدى الصيادي الذي زور انتسابه لآل البيت، ضيقت الخناق علي الكواكبي وصودرت أملاكه، أرسلت له شخصا ملثما لاغتياله، وطعنه أثناء عودته إلي بيته ليلا، يقال أن السلطان عبد الحميد الثاني أوعز إلي ( عبد القادر القباني) صاحب جريدة (ثمرات الفنون) في بيروت بالسفر إلي القاهرة بعد مقتل الكواكبي، وسرقة مؤلفات الكواكبي المخطوطة وهي ( العظمة لله) و( صحائف قريش) و( الأنساب) و( أمراض المسلمين والأدوية الشافية لها) و( أحسن ما كان في أسباب العمران) و( ماذا أصابنا وكيف السلامة) ,( تجارة الرقيق وأحكامه في الإسلام)( 29 ــ 11، 12) .

أوضاع الدولة العثمانية في عصر الكواكبي

    كانت الأوضاع قد ساءت في الدولة العثمانية، وبدا ضعفها واضحا، حتى أطلق عليها البعض أسم الرجل المريض، وقد تعددت أسباب ضعف الدولة، ومنها تمرد بعض الشعوب الخاضعة لها، والتخلف العلمي الذي أصابها في الوقت الذي بدأت فيها أوربا تتطور علميا، وظهور حركات قومية تدعوا إلي الانفصال، وانتشار الرشوة والمحسوبية وتدبير المكائد والصراع علي تولي المناصب.

     وكان التخلف العلمي وانتشار الخرافات أهم أسباب الضعف، " ففي أواخر الدولة العثمانية فشت الخرافات والأساطير في جموع المسلمين بشكل منقطع النظير،وأضحت كحقائق مسلمة لا تقبل النقاش مطلقا،وليس ذلك فحسب، وإنما غدت عند كثير منهم أمورا مقدسة لا يجوز التهاون بها، فضلا عن التشكيك في صحتها"(26 ـ 512)، و تؤكد دراسة (تركي رابح) أن  "قضية تحرير الفكر العربي الحديث من الخرافات التي لحقت به في العصور المتأخرة، والتي عاقته عن الانطلاق وقيدته بمختلف القيود، وكذلك تحريره من البدع المنافية للدين، شغلت المفكرين في سائر أنحاء العالم العربي من أمثال(جمال الدين الأفغاني) و( عبد الرحمن الكواكبي) والشيخ( محمد عبده) "(8 ـ 229)، ويؤكد هذا أن الصراع بين المفكرين والسلطة العثمانية ومن بينهم الكواكبي، كان يهدف إلي صالح الأمة والقضاء علي ما أصابها من ركود علمي وثقافي،ويرجع البعض هذا التخلف العلمي إلي أنه" وليد قرون طويلة أتبع العثمانيون خلالها أساليب المدرسة القديمة، التي لم يعد بمقدورها مواكبة ركب التطور العلمي الحديث بعد وضع أسس العلم الحديث. وقد أعتقد الكثير من رجال التعليم أن العلم لا يزال كما هو عليه في القرن الثالث عشر الميلادي ـ السابع الهجري" ( 25 ـ 101).

    وفي هذه الفترة من الحكم العثماني " أنتشر الظلم في الدولة العثمانية، والظلم في الأمة يعجل في هلاكها بما يحدثه فيها من آثار مدمرة تؤدي إلي هلاكها واضمحلالها"(26ـ553)، وهذا الظلم كان من الأسباب التي دفعت الكواكبي إلي الصدام مع الدولة العثمانية، وهذا ما يؤكده ( أحمد أمين) " في تعليقه علي كتابي الكواكبي بقوله: كان الحديث في مثل هذه الموضوعات التي مسها الكواكبي في كتابين من الموضوعات المحرمة، لأنها تمس نظام الحكم من قريب، وتفهم الشعوب حقوقهم وواجباتهم، وتقفهم علي مناحي الظلم والعدل، وتهيئهم للمطالبة بالحقوق إذا سلبت، والقيام بالواجبات إذا أهملت، وهذا أبغض شيء لدى الحاكم المستبد"(15 ـ 467).

    يتضح مما سبق أن الدولة العثمانية أصابها التخلف العلمي، وانتشرت فيها الخرافات، وتم إلصاق كثير من البدع بالدين، وعمها الظلم والاستبداد، وسادت ولاياتها الفوضى، وانتشرت الرشوة والخيانة، بسبب تولية الوظائف لمن ليس أهلا لها، وليس أدل علي ذلك من تلك الوثيقة* التي تكشف عن مخالفة أوامر السلطان عبد الحميد الثاني، وانتشار الفساد والرشوة في الحكومة العثمانية، كان السلطان " يرى أنه من الضروري عدم توطين اليهود في فلسطين، كي يحتفظ العنصر العربي بتفوقه. وفي هذا الصدد يقول: ولكن لدينا عدد كاف من اليهود، فإذا كنا نريد أن يبقى العنصر متفوقا، علينا أن نصرف النظر عن فكرة توطين المهاجرين إلي فلسطين،وإلا فإن اليهود إذا استوطنوا أرضا تملكوا جميع قدراتها خلال وقت قصير، ولذا نكون قد حكمنا علي إخواننا في الدين بالموت المحتم"(26 ـ 448)، وفي ذات الوقت تكشف الوثيقة فساد الإدارة العثمانية وانتشار الرشوة فيها* توضح الوثيقة التي تقدم بها ( صبحي) مدير نجد، و(سعيد بحق محمد) المدير السابق للريجي بلواء البلقاء، و( محمد توفيق السيد) معاون

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* أنظر الوثيقة وترجمتها ملحق (1، 2)

المدعي العام السابق بعكا ، أن متصرف عكا( صادق باشا) وقائمقام حيفا السابق( مصفى

القنواتي)، و قائمقام حيفا الحالي(أحمد شكري) ومفتي عكا(علي أفندي) ورئيس بلدية حيفا (مصطفى أفندي) و عضو مجلس الإدارة (نجيب أفندي) في عام 1890م قاموا بقبول وتوطين

مائة وأربعين عائلة يهودية في قضاء حيفا، تم إنزالهم من السفينة ليلا تحت إشراف مأمور

البوليس في حيفا ( مصطفى أفندي) ومأمور الضابطة اليوزباشي ( على أغا)، وكما توضح الوثيقة، قد تم أنه تم تزوير رخص بتاريخ قديم، وإحداث مائة وأربعين منزلا علي أرضي كانت مملوكة لهؤلاء المرتشين وأقاربهم وبيعت لهم بأضعاف ثمنها، وتوضح الوثيقة أن هؤلاء اليهود بفضل المال الذي بذلوه صاروا مرعي الخواطر، فصاروا يسومون الأهالي المسلمين في القرى المجاورة لليهود أبشع أنواع الظلم، كما تسلطوا علي أعرض النساء.

 

   وذلك بعض ما أشارت إليه الوثيقة، من ألوان الظلم والفساد والرشوة، وتؤكد هذه الوثيقة العثمانية ما آل إليه حال الدولة من ضعف، وما يعانيه الأهالي من ظلم، ومما سبق نتوصل إلي بعض السمات الثقافية والسياسية والاجتماعية التي سادت الدولة العثمانية في أيام الكواكبي،وهي: ــ

1ـ من الناحية السياسية، ضعف الدولة العثمانية وسادها الحكم الاستبدادي، وهو" الحكم المبني علي تسيد الدولة البيروقراطية علي المجتمع، من خلال توسيع قدرتها علي تنسيق البني التحتية، بحيث تخترق المجتمع المدني بالكامل وتجعله امتدادا لسلطتها، وتحقق بذلك الاحتكار الفعال لمصادر القوة والسلطة في المجتمع"( 12 ـ 36)، وهذا ما صار إليه حال الدولة العثمانية .

2ـ من الناحية الثقافية والعلمية، سادها التخلف العلمي والثقافي، وكبت الحريات الفكرية.

3ـ من الناحية الاجتماعية، ذاق الأهالي أنواعا من الظلم وتعرضوا لكثير من الاضطهاد، كما عانوا من الفقر وانتشار الأمراض، وكان ذلك نتيجة منطقية

 

خطاب الكواكبي التربوي

 

   يتميز خطاب الكواكبي التربوي بأن ما يطرحه من قضايا تربوية، يمكن الاستفادة منها في الوقت الحاضر، " فإن الكواكبي الذي عاش وكتب منذ قرن من الزمان، عندما يكتب عن التربية، فإنه يتحدث بلغة عصرنا، بل وبأحدث المفاهيم التربوية التي ندرسها اليوم"(31ـ131)، مما أضفى علي خطاب الكواكبي التربوي روح العصر والاستمرارية .

 

   يتناول الباحث الخطاب التربوي للكواكبي من خلال كتابيه ( أم القرى )، و( طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد)، واعتمد الباحث علي النسخة المطبوعة من الأعمال الكاملة للكواكبي، الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ، والتي قام بتحقيقها ( محمد عمارة)، والمنشورة عام 1970م.

 أولا :أهمية التربية في خطاب الكواكبي

    توجد التربية حيث توجد المجتمعات الإنسانية، والاختلاف لا يدور حول وجود التربية من عدمه في مجتمع ما، " ففي تاريخ المجتمعات و الشعوب، كانت تربية الأبناء من السمات الأساسية للحضارة البشرية، بدافع الحرص على إعداد الجيل القادم"( 43 ـ 13)، إنما يدور حول نوعية التربية وفلسفتها والأهداف التي تسعى إلي تحقيقها، والوسائل والوسائط التي تستخدمها لتحقيق أهدافها، والجهود التي يبذلها التربويين علي مر العصور، تهدف إلي إصلاح التربية القائمة بالفعل، فإذا كان الكواكبي يرى أن التربية هي ضآلة الأمم، حيث يقول" أن التربية هي ضآلة الأمم، وأن فقدها هو المصيبة الكبرى في الشرق"(21 ـ 48)،ومقصد الكواكبي بفقد التربية، هو غياب التربية التي تتلاءم مع متطلبات العصر، فهي دعوة لإصلاح النظام التربوي القائم و مراجعة فلسفته التربوية، وهذا ما يدعوا التربويون إليه اليوم، فقد أوصى( مصطفى رجب) في دراسته عن( أبي العلاء المعري)، "بضرورة إعادة النظر في فلسفتنا التربوية الحالية"(38ـ 83).

    يتفق ما جاء في خطاب الكواكبي التربوي حول أهمية التربية، مع آراء المفكرين في عصره، " ولقد اقتنع محمد عبده بأن تقدم المجتمع وارتقائه لا يتحقق إلا بالتربية"(32ــ 54)

ثانيا : مفهوم التربية في خطاب الكواكبي

    تتناول التربية الحديثة الفرد من جميع جوانبه الجسمية والعقلية والنفسية والروحية والاجتماعية، أي " تتناوله كله بجسمه وعقله ووجدانه ومهاراته واتجاهاته وميوله وأفكاره، فهي لا تقتصر علي جانب واحد من جوانب الشخصية، بل تتناولها من جميع الجوانب(35ـ30)، وهذا المفهوم الحديث للتربية يتفق مع ما حدده الكواكبي في خطابه التربوي منذ أكثر من مائة عام، فالتربية عنده هي " السعي لإرشاد أفراد الأمة، وخصوصا أحداثها إلي قواعد معاشية وأخلاقية متحدة الأصول تلاءم الإسلامية والحرية المدنية، وتفيد في تريض الأجسام وتقوية المدارك، وتثمر النشاط للسعي والعمل، وتولد الحمية والأخلاق الشريفة"(21 ـ 289).

    يتضح من هذا المفهوم ما يأتي: ـ

  1ـ أن التربية عملية مستمرة، ولها خصوصيتها للناشئة .

2ـ يشير المفهوم إلي ضرورة توحيد الأصول التي تستمد منها التربية فلسفتها ، وتشتق منها أهدافها، وأن تتفق هذه الأصول مع طبيعة المجتمع وخصائص العصر.

3ـ ألا تقتصر التربية علي تنمية جانب واحد من جوانب الشخصية، بل تشمل الجوانب كافة.

    وبهذا يكون مفهوم التربية الذي جاء في خطاب الكواكبي التربوي، مفهوما شاملا متكاملا ، يهدف إلي تكوين شخصية متكاملة متوازنة مسايرة لروح العصر ومتطلباته، وفي ذات الوقت محافظة علي أصالتها، ومنابع ثقافتها.

 ثالثا: مراحل التربية عند الكواكبي

    يقسم الكواكبي التربية إلي عدة مراحل، تربية الجسم وحده إلي سنتين، وهي وظيفة الأم وحدها، تضاف إليها تربية النفس إلي السابعة، وهي وظيفة الأبوين والعائلة معا، ثم يضاف إليها تربية العقل وهي وظيفة المعلمين والمدرسة، ثم تأتي تربية القدوة بالأقربين والخلطاء إلي الزواج،وأن يصحب التربية من بعد البلوغ تربية الهيئة الاجتماعية .(21 ـ 399، 400).

   يتضح من تقسيم الكواكبي لمراحل التربية ما يأتي : ــ

 1ـ عمق ثقافة الكواكبي التربوية، واطلاعه علي الفكر التربوي قديمه وحديثه، فمثل هذه التقسيمات نجدها عند أرسطو، وعند جان جاك روسو، وأن اختلفت تقسيماتهم عن تقسيمات الكواكبي .

2ـ جاءت مراحل التربية عند الكواكبي علي النحو الأتي :ـــ

أ ـ المرحلة الأولي : مرحلة المهد من الميلاد إلي سنتين، وأختصها الكواكبي بتربية الجسم، وحدد مسئولية هذه المرحلة بأنها مسئولية الأم، ، والطفل في هذه المرحلة في حاجة إلي إشباع الحاجات البيولوجية والتي تعتبر من مهام الأم بخاصة.

ب ـ المرحلة الثانية: حددها الكواكبي من سنتين إلي السابعة من العمر، أي مرحلة الطفولة المبكرة، وأختصها الكواكبي بالإشباع النفسي للطفل، وعملية الإشباع النفسي لها أهميتها "فالطفل في حاجة لأن يحب ويشعر بحب الآخرين، وتحمي تلك العلاقة الأبناء من الأمراض النفسية، فإذا كان إهمال الغذاء يؤدي بالطفل للمرض، فإهمال العطف والحنان المحبة يهدد كيان شخصيته، ولا تشبع هذه الحالة إلا عن طريق العلاقات المتبادلة بينه وبين أمه وأفراد أسرته"(27ـ 25)

جـ ـ المرحلة الثالثة: لم يحدد العمر الزمني لها، وأن كان يستنتج من الترتيب أنها مرحلة الطفولة الوسطي والمتأخرة،أو ما يطلق عليها مرحلة المدرسة الابتدائية، حيث جاءت قبلها مرحلة الطفولة المبكرة، أو ما تسمي بمرحلة ما قبل المدرسة، كما أن الكواكبي حدد لهذه المرحلة المدرسة كمؤسسة مسئولة عنها، وأختص هذه المرحلة بالتربية العقلية.

د ـ المرحلة الرابعة: لم يحدد العمر الزمني لها، وأن كان من سياق الترتيب تمثل هذه المرحلة مرحلة المراهقة، حيث أشار في تقسيماته إلي أنها تصل إلي سن الزواج، أي تضم المراهقة بمراحلها المبكرة والوسطى والمتأخرة، وأختص هذه المرحلة بالتربية الاجتماعية، والتي تتم عن طريق الاختلاط بالآخرين، وأطلق عليها تربية الصدفة، أي ما يعرف بالتربية بالعدوى الاجتماعية أو التربية غير المقصودة، وهي التي تتم من خلال علاقات الفرد بغيره من الأفراد داخل المجتمع.

4ـ ما يؤخذ علي تقسيمات مراحل التربية عند الكواكبي

 أ ـ أن تقسيم التربية إلي مراحل محدده يشوبه كثير من الخلط، حيث أن التربية عملية متكاملة، فلا يمكن أن نحدد كما جاء في تقسيمات الكواكبي أن الفترة من الميلاد إلي سنتين، هي مرحلة التربية الجسمية، وهذا يعني أن المراحل التالية لا تتم فيها تربية جسمية، ولا يمكن أن يجزم أحد بأن مرحلة المهد تتوقف عند التربية الجسمية فحسب،بل تتضمن هذه المرحلة نموا عقليا، وتشير بحوث علم نفس النمو إلي أن الطفل الرضيع يستطيع إدراك ذاته وإدراك بقاء الأشياء، كما تتضمن نموا لغويا، وأيضا نموا انفعاليا، ونموا اجتماعيا ( 41 ـ 120: 130)

    كما لا يمكن قبول تحديد المرحلة الثانية التي تمتد إلي السابعة من العمر أنها مرحلة تختص بالتربية النفسية ، وليست هذه المآخذ علي تقسيمات الكواكبي فحسب، بل أن تقسيمات التربية إلي مراحل كلها، ينطبق عليها المآخذ ذاتها، حيث إن عملية التربية تسير مع متطلبات النمو واحتياجاته، وتتعدد متطلبات النمو بتعدد جوانب الشخصية الإنسانية، وتقوم التربية بتنمية كل جانب من جوانب الشخصية وفقا لمتطلبات المرحلة العمرية .

ب ـ أيضا تحديد مؤسسة تربوية بعينها وقصر نشاطها علي جانب معين من جوانب تنمية الشخصية ، كما حدد الكواكبي  المدرسة كمؤسسة تربوية مسئولة عن التربية العقلية، لا يمكن الأخذ به، حيث أن التربية العقلية لا تتم من خلال المدرسة وحدها، بل تشاركها في ذلك المؤسسات التربوية كافة .

 رابعا: المؤسسات التربوية عند الكواكبي

    مع تقسيمات مراحل التربية في خطاب الكواكبي التربوي، تناول أيضا المؤسسات التربوية المنوطة بعملية التربية علي النحو الأتي:ـــــ

1ـ الأسرة : أختصها الكواكبي برعاية الطفل الجسمية، وإشباع الحاجات الضرورية للطفل، وركز علي عملية الإشباع النفسي، ويتفق ما جاء في خطاب الكواكبي التربوي مع ما يحدده علماء التربية في الوقت الحالي، حيث يرون أن الأسرة "وسيط تربوي في مرحلة التحول بالفرد من كائن بيولوجي إلي أن يصبح كائن اجتماعي قادر علي متطلبات الثقافة وإدراك عناصرها، ومن مجرد كائن بالقوة أتي إلي هذا العالم لا يملك من أمره شيئا، إلي أن يصبح كائنا بالفعل له هويته وكينونته"(39ــ 129).

2ـ المدرسة: حدد الكواكبي المدرسة كمؤسسة تربوية وأختصها بالتربية العقلية، وإن كان الاختلاف مع نظرة الكواكبي للمدرسة في قصر دورها علي التربية العقلية، لكن ذلك لا ينفي أن للمدرسة دورا مهما في عملية التربية العقلية، علما بأنه " أصبح ينظر إلي المدارس على إنها مراكز إشعاع تربوي، تعمل على مساعدة التلاميذ على النمو المتكامل عمليا وأخلاقيا واجتماعيا، وإكسابهم المهارات المختلفة، التي تؤدي إلي تعديل سلوكهم ومساعدتهم على النموالمتكامل في جميع النواحي الصحية والجسمية والعقلية والاجتماعية والوجدانية والروحية إلي أقصى حد تمكنهم منه قدراتهم واستعداداتهم"( 20ـ 7).    

3ـ جماعة الرفاق: يشير الكواكبي إلي مصطلح جماعة الرفاق بالخلطاء، ولهذه الجماعة أهميتها حيث" تعد جماعة الرفاق من أهم الوسائط التربوية الاجتماعية في تشكيل شخصية أعضائها ولا سيما في مرحلتي الطفولة والمراهقة"(6ــ 94)، وتتفق هذه الأهمية مع ما جاء بخطاب الكواكبي التربوي، حيث أشار إلي أهمية التربية عن طريق القدوة والمحكاة.

4ـ البيئة الاجتماعية: تناول الخطاب التربوي للكواكبي المجتمع ككل باعتباره مؤسسة تربوية، تؤثر في تشكيل شخصية  الفرد، وهو ما أطلق عليه ( الهيئة الاجتماعية)، للبيئة الاجتماعية دورها في" تنشئة الفرد وتوجيهه والإشراف على سلوكه، وتلقينه ما وصلت إليه من ثقافة وتحضر، إذ إنها لا تقتصر على أن توفر له حاجاته الضرورية، ولكنها تؤدي له أهم وظيفة وهي نقل التراث الاجتماعي والثقافي"(37 ـ 175)، وهذه البيئة الاجتماعية تتضمن المؤسسات التربوية كافة.

خامسا: قوى النفس في خطاب الكواكبي

    تناول الخطاب النفس البشرية بالدراسة، وقسم النفس العاقلة، والنفس المندفعة، والنفس المعتدلة ويحدد العلاقة بين قوى النفس الثلاث " الاندفاع أن غلب فيه العقل النفس كان الوجهة إلي الحكمة، وأن غلبت النفس العقل كانت الوجهة إلي الزيغ، أما الانقباض فالمعتدل منه هو السائق للعمل"(21 ـ 411)، ويرى أن الاعتدال هو السمة التي يجب أن تسود النفس حيث إن" سبيل الإنسان إلي الرقي مادام جناحا الاندفاع والانقباض فيه متوازيين كتوازن الإيجابية والسلبية في الكهربائية"(21 ـ 411).

    ما جاء في خطاب الكوكبي التربوي عن قوى النفس، يؤكد تأثره بفلاسفة التربية قبله من الإغريق والمسلمين، فقد قسم أبن مسكويه النفس إلي ثلاث قوى " القوة الناطقة : وهي التي تسمى الملكية، وآلتها التي تستعملها من البدن: الدماغ،والقوة الشهوية: وهي التي تسمى بالبهيمية، وآلتها التي تستعملها من البدن: الكبد، والقوة الغضبية: وهي التي تسمى السبعية، وآلتها التي تستعملها من البدن: القلب"( 1ـ 23، 24).

    ويتفق تقسيم قوى النفس عند الكواكبي مع تقسيم فيلسوف الإغريق أفلاطون إذ يرى "أن النفس تتكون من ثلاث قوى قوة العقل وموضوعها الدماغ، وقوة الغضب وموضوعها الصدر أو القلب، وقوة الشهوة ( الغريزة) وموضوعها البطن"(40ـ 74).

 سادسا :أساليب التربية في خطاب الكواكبي  

    تتعدد أساليب التربية ويأتي التعدد تبعا لتعدد أهداف التربية، فالأساليب هي وسائل التربية لتحقيق أهدافها ، لم يغب هذا الجانب التربوي عن الكواكبي، ويؤكد في خطابه التربوي علي العديد من الأساليب التربوية التي يرى أنها تحقق أهداف التربية العربية التي ينشدها، وجاءت أساليب التربية عنده علي النحو الأتي :ــ

   حيث يرى " أن التربية ملكة تحصل بالتعليم والتمرين والقدوة والاقتباس"(21 ـ 399)

 1 ـ التربية بالتعليم

    يمكن إحداث التربية عن طريق التعليم، حيث أن التعليم يمثل جزءاً من منظومة التربية، "ويري (الغزالي )، أن التربية هي صناعة التعليم وهي أشرف الصناعات والمهن، لأنها تسعى وتهدف في المقام الأول إلي تهذيب النفس والسلوك، وضبطهما والتحكم فيهما"(39ـ 36)، ولو نظرنا إلي التنشئة الاجتماعية نجدها ما هي إلا تعليم الفرد وتدريبه على ممارسة السلوك الذي يقبله المجتمع.

2 ـ التربية بالتمرين

    يقصد الكواكبي بالتمرين ما يطلق عليه التدريب وهو" تعريض الفرد لمواقف أو مؤثرات معينة، بقصد إحداث تغير في سلوكه، فإذا ما تغير سلوك الإنسان نتيجة ممارسته نشاطا إزاء هذه المواقف فأننا نقول أنه تعلم"( 22 ـ 175) ، وهذا يعني أن الكواكبي أدرك أهمية التدريب في العملية التربوية ، وأن التدريب يؤدي إلي تعلم، ومن ثم ربط في خطابه التربوي بين التعليم والتمرين أي التدريب، ويؤكد ذلك أيضا أن الكواكبي عرف ما للتدريب من تأثير علي الأداء وتعديل السلوك، ولهذا أعتبره أسلوبا تربويا مهما وأكد عليه في خطابه التربوي الموجه إلي الأمة العربية والأمة الإسلامية.

 3 ـ التربية بالقدوة والاقتباس

    جاء اختيار الكواكبي للقدوة وأقرن بها الاقتباس كأسلوب من أساليب التربية، لعلمه أن لدى الإنسان ميلا  للبحث عن قدوة يحتذي بها،ورغبة في محاكاة وتقليد الآخرين، " فالطفل لديه رغبة خفية لا شعورية نحو المحاكاة، والقسط الأكبر من العادات والسلوكيات نكتسبها عن طريق التقليد غير المقصود"( 4ـ 41).

 2ـ التربية الإبداعية

    يؤكد الخطاب التربوي للكواكبي علي التربية الإبداعية، التي تنمي القدرة علي التجديد والابتكار والإبداع، وأن لا تقتصر التربية في المحافظة علي القديم،" ياقوم وقاكم الله من الشر، أنتم بعيدون عن مفاخر الإبداع وشرف القدوة، مبتلون بداء التقليد والتبعية في كل فكر وعمل، وبداء الحرص على كل عتيق"(21 ـ 412)، دعوة صريحة من الكواكبي إلي العقل العربي، تمثل في ذات الوقت نقدا للتربية العربية القائمة علي التبعية والتقليد، والبعيدة عن التجديد والإبداع، وهذا الداء والابتلاء مازالت تعاني منه التربية العربية حتى الآن" حيث يعاني الفكر التربوي العربي من التبعية الفكرية للغرب، فالسمة الأساسية للفكر التربوي في العالم العربي بصفة عامة هي الاستغراب"( 33ـ15، 16)،   أي أن ما عرض له الكواكبي في خطابه التربوي من ابتلاء التربية العربية بالتقليد والتبعية، مشكلة مازالت قائمة في وقتنا الحالي.

     ويوجه الكواكبي الأنظار إلي خطورة التربية القائمة على حفظ القديم واستظهاره، وهي أحد الأخطاء التي أشار إليها (جون ديوي) " بأن الخطا في التدريس بالمدارس الإعدادية والثانوية، يتمثل في الاعتماد على الحفظ والاستظهار، وخلو المحتوى من المعنى أو المغزى، والمفترض في محتوى التعليم أن ينمي التفكير وربط الطالب بما يهمه، ولكن في ظل التربية العقيمة والأهداف الخاطئة يصبح المحتوى غريبا عن الطالب وخاليا من المعنى"(42ـ 100)، هي ذات الرؤية التي قدمها الكواكبي في خطابه التربوي، والتي تهدف إلي الفهم والتفكير ومن ثم تتحول عملية التربية إلي عملية إبداعية، لا مجرد عملية تلقينية تعتمد في الأساس علي اجترار القديم،"لأنه عندما تتحول عملية التعليم إلي إيداع يستحيل أن تؤدي إلي إبداع، فالتلقين يحيل عقل الطالب إلي مجرد مخزن معلومات بينما التعليم الحواري من شأنه أن يطلق الطاقات الإبداعية"(17ـ25، 26).

    يعد ما جاء في خطاب الكواكبي التربوي دعوة إلي التغيير والتطوير في طرائق التعليم وأساليب التربية حتى تصير عملية التربية عملية إبداعية.

3ـ التربية العملية

    ارتبطت دعوة الكواكبي إلي تربية إبداعية، بدعوته إلي تربية عملية، باعتبارها وسيلة لتحقيق التربية الإبداعية،حيث يقول" من الغرارة أننا لا نرى ضرورة للإتقان في الأمور، وتوهمنا بأن شئون الحياة سهلة بسيطة، فنظن أن العلم بالشيء إجمالا ونظريا بدون تمرين عليه يكفي للعمل"(21 ـ 262)، وفي هذا إشارة إلي ضرورة التربية العملية ، وبيان لأهميتها في الملية التربوية، " ويرتكز التوجه الإسلامي للجانب العملي التطبيقي إلي سمة نفسية أودعها الله في الإنسان، فهو يتعلم بالعمل، بل إن التعليم بالعمل هو أدعى لاستيعاب موضوع التعلم، وأدعى إلي طول الاحتفاظ به"( 18ـ 175).   

 سابعا : قضابا التعليم في خطاب الكواكب التربوي

    يوجه خطاب الكواكبي التربوي كثير من الاهتمام إلي المدرسة، باعتبارها المؤسسة المنوطة بتعليم الأفراد عامة والناشئة خاصة،ويتناول المنهج، وطرائق التدريس، وأساليب التعليم،  وإلزامية التعليم، وتعليم الفتاة، ويركز على المدرسة المتخصصة ويوصي "بتخصيص كل من المدارس والمدرسين لنوع أو نوعين من العلوم والفنون ـ ويحدد الهدف من ذلك في ــ ليوجد في الأمة أفراد نابغون متخصصون"(21ـ 287)، وهذه الدعوة من الكواكبي تعد دعوة لإصلاح حال المدرسة، وتلتقي دعوة الكواكبي مع آراء التربويين المحدثيين، حيث يرون أن الاهتمام بالمدرسة يعد اهتماما بالحضارة، ويرى البعض " أن ضعف المدرسة المتزايد إلي حد مقلق، من أعظم الأخطار التي تهدد مدنيتنا الحاضرة،خاصة وأن المدرسة قد وجدت لبناء الشخصية الإنسانية وتثقيفها بكل ما في الكلمة من معنى"( 7 ـ 113)  

  1ـ المنهج عند الكواكبي

   يدعوا الكواكبي في خطابه التربوي إلي  توحيد المنهج " الجد وراء توحيد أصول التعليم وكتب التدريس"(21 ـ287)، لو نظرنا إلي الدعوة على أنها توحيد للمناهج وكتب الدراسة، سوف تصدم الدعوة بالمفهوم الحديث للمنهج،الذي يدعوا إلي الاهتمام بالبيئة المحلية للتلميذ، حتى تكون المعرفة وظيفية في حياة التلميذ ومن ثم يسهل فهمها واستيعابها، ولكن ما يقصده الكواكبي بتوحيد أصول التعليم هو توحيد مصادر اشتقاق الأهداف التي تحدد في " طبيعة المجتمع، من حيث عقيدته وفلسفته وتطلعاته ومشكلاته وتقاليده وقيمه، وطبيعة المتعلمين من حيث اهتماماتهم وميولهم، وطبيعة المادة الدراسية من حيث مكوناتها، وطبيعة العصر الذي نعيش فيه"(10 ـ 113)، وحيث أن خطابه موجه إلي الوطن العربي خاصة، فهو يرى أن هناك تقارب بين بلدانه في كثير من هذه المصادر، ومن ثم دعا إلي توحيد أصول مصادر اشتقاق المنهج.

 2ـ طرائق التدريس

    يناشد خطاب الكواكبي التربوي بإصلاح طرائق تدريس اللغة العربية والعلوم الدينية،ويدعوا في خطابه إلي ذلك بقوله"إصلاح أصول تعليم اللغة العربية والعلوم الدينية، وتسهيل تحصيلها، بحيث يبقى في عمر الطالب بقية يصرفها في تحصيل الفنون النافعة"(21 ـ 287)، من المشكلات التي مازالت تواجه التعليم في الوطن العربي،كيفية تدريس اللغة العربية والعلوم الدينية، لأنها مازالت طرائق عقيمة تعتمد الحفظ والاستظهار، مما حول هذه العلوم إلي علوم جامدة يعاني من دراستها غالبية التلاميذ،" ولعل المتتبع لواقع التربية الإسلامية وطرائق تدريسها في العالم العربي يجد أنها تعاني من مشكلات تربوية عديدة، من أهمها قصور مناهج التربية الإسلامية وسيادة الدور التقليدي لمعلمها، وعزوف الطلاب عن دراسة التربية الإسلامية"(11ـ 239)، وينسحب ما تعاني منه العلوم الإسلامية من مشكلات التدريس علي اللغة العربية وتدريسها.

    هناك ملاحظة جديرة بالاهتمام في خطاب الكواكبي التربوي، أن مصطلح أصول التعليم لديه غير واضح، قد يفهم كما سبق وأشرنا إلي أنه يقصد به مصادر اشتقاق أهداف المنهج، أو يقصد به طرائق التدريس، وأن كان الباحث فسره علي الوجهين، ليس خلطا بين الأمور، إنما من دراسته لأعمال الكواكبي اتكئ الباحث علي المعنى الأقرب من السياق العام الذي ورد فيه المصطلح في كل مرة، والذي لا يمكن فهمه من الاقتباسات التي وردت في هذا البحث، ولكن من القراءة الكلية لخطاب الكواكبي التربوي.

 3 ـ التعليم الإلزامي

    أن الدعوة إلي جعل التعليم الابتدائي إلزاميا، تعد وقت ذاك دعوة جديدة وجريئة، يدعوا إليها الكواكبي في خطابه التربوي حيث يقول " هل نترك للحكومة صلاحية الضغط على القول كي لا يقوى نفوذ الأمة عليها؟ أم تحمل علي توسيع المعارف، وتجعل التعليم الابتدائي عموميا بالتشويق أو الإجبار، ثم التوسع فيه، وجعل التعليم والتعلم حرا مطلقا"(21 ـ 433)، ويؤكد الكواكبي على جعل التعليم الابتدائي

 4 ـ تمويل التعليم

   تتوقف جودة التعليم كفاية تمويله، والكواكبي وعي ذلك وأشار إليه في خطابه، وأن كانت الدراسات التربوية الحديثة تشير إلي العلاقة بين تمويل التعليم وفلسفة المجتمع، وتؤكد على " أن الإنفاق على التعليم قضية لها جذور تمتد عمقا لتستمد مقوماتها من فلسفة المجتمع وأهدافه الاجتماعية والاقتصادية والثقافية" (24ـ 144)، فإن الكواكبي أشار إلي ذلك في قوله" يا قوم هون الله مصابكم تشكون من الجهل ولا تنفقون على التعليم نصف ما تصرفون على التدخين"(21 ـ 414)، فهو يوجه خطابه إلي الأمة ويرمي إلي تعديل نظرتهم الاجتماعية والاقتصادية بهدف توجيههم إلي الإنفاق على التعليم، ويحمل الكواكبي الدولة مسئولية الإنفاق على التعليم حيث يرىأنه " على الحكومات ملاحظة تربية الأمة، وأن تفتح بيوت الأيتام اللقطاء، والمكاتب والمدارس للتعليم من الابتدائي الجبري إلي أعلى المراتب"(21 ـ400)، وهو بذلك يؤكد على أن يكون التعليم الابتدائي إجباري ومسئولية الدولة في الإنفاق على التعليم وتمويله من المرحلة الابتدائية إلي العليا، وأن تكفل الدولة للمواطن حق التعليم ليست بدعة، فالدول الغربية التى تنتهج النهج الرأسمالي " في منتصف الأربعينيات نهضت حكوماتها بوضع سياسات رشيدة، تبني هالما جدبدا، كان في مقدمة هذه السياسات تطوير نظم التعليم البرجوازية على نحو يجعلها أكثر ديمقراطية وانفتاحية وبالدات في أوساط شعبية حرمت طويلا من فرص التعليم"(36ـ117)      

5ـ تعليم الفتاة

    يرى الكواكبي بضرورة تعليم النساء، بل يربط بين تخلف الأمة وأهمال تعليم النساء، " فمن أسباب تخلف الأمة وفتورها ترك الأعتناء بتعليم النساء"(21 ـ 257)، وحيث أن المرأة هي الأم فإن جهلها ينعكس علي تربية الأطفال، ومن ثم يكون لذلك أثره السئ في تشكيل شخصيات الأفراد حيث يقول بأن"ضرر جهل النساء وسوء تأثيره في أخلاق البنين والبنات أمر واضح غني عم البيان "(21 ـ 265)، وتعد دعوة الكواكبي بتعليم الفتاة دعوة متقدمة وجريئة في وقت كان الرأي السائد فيه، أن تعليم الفتاة مفسدة لها، بل كان البعض يعتبره خروجا على الدين، وفي ذلك يري (الإمام محمد عبده) "أن النساء ضرب بينهن وبين العلم بما يجب عليهن في دينهن أو دنيانهن بستار لا يدري متى يرفع"( 32ـ 129)

     ويختلف في رأيه عن رأي( أبي العلاء المعري ) الدي يرى "انه لا ينبغي أن يزيد تعليم المرأة عما تتطلبه أمور العبادة"( 38ـ 79)، ويتفق رأي الكواكبي في تعليم الفتاة مع آراء معاصريه من المفكرين فالإمام محمد عبده " نادى منذ وقت مبكر بضرورة تعليم البنث، وتمنى أن تنهض القلة المستنيرة من الأميرات المتعلمات بثكوين جمعيات نسائية تقيم المدارس لتعليم البنات"( 32ـ 221).

    نخلص من هذا أن الكواكبي في خطابه التربوي ينادى بضرورة تعليم المرأة، ويرى في ذلك نفعا للأمة وذلك لبناء أفضل للأبناء الذين هم عتاد هذه الأمة وصناع مستقبلها.  

   

العلم في خطاب الكواكبي التربوي

    يحتل موضوع العلم مكانة رئيسة في خطاب الكواكبي التربوي، وللعلم أهميته في حياة الأمم ومن هنا جاء اهتمام الكواكبي الذي يسعى لإصلاح حال الأمة، وأيضا كان الاهتمام نابعا من ثقافة الكواكبي الإسلامية، حيث حث الإسلام علي طلب العلم، يقول: (الأمام الغزالي) " قال: رسول الله صلى عليه وسلم في تفضيل العلم علي العبادة والشهادة ( فضل العالم على العابد كفضلي على أدنى رجل من أصحابي)، فأنظر كيف جعل العلم مقارنا لدرجة النبوة، وكيف حط رتبة العمل المجرد من العلم"(5 ـ 15)، ويربط الكواكبي في خطابه بين العلم وحرية الشعوب.

 تعريف العلم عند الكواكبي

    يعرف الكواكبي العلم بأنه "قبة من نور الله، وقد خلق الله النور كاشفا مبصرا ولادا للحرارة والقوة، وجعل العلم مثله وضاحا للخير، فضاحا للشر،يولد في النفوس حرارة وفي الرؤوس شهامة"(21 ـ 356).

  يتضح من هذا التعريف ما يأتي : ــ

1ـ أرتباط مفهوم العلم عند الكواكبي بالجانب الإيماني، وأن العلم من الله، وهو يتفق في ذلك مع (ابن رجب) الذي يعرف العلم " بأنه يدل على الله من أقرب الطرق واسهلها"(9 ـ250)

2ـ أن العلم يوضح الحقيقة ويكشف الزيف، وهو يربط بين العلم وبين حرية الشعوب إذ يرى "أن بين الاستبداد والعلم حربا دائمة وطرادا مستمرا، يسعى العلماء في نشر العلم، ويجتهد المستبد في أطفاء نوره"(21 ـ 357).

3ـ أن هناك أرتباط ما بين العلم والقدرة على مقاومة الاستبداد حيث إنه يولد في النفوس الشجاعة والشهامة.

العلوم وأهميتها عند الكواكبي

    يؤكد خطاب الكواكبي التربوي على أهمية العلوم كافة، وهو يرى أن الذين قصروا العلوم على العلوم اللغوية والدينية، وأهملوا العلوم الحديثة تسببوا تأخر الأمة، "أن علماءنا كانوا اقتصروا على العلوم الدينية وبعض الرياضيات، وأهملوا باقي العلوم الرياضية والطبيعية، التي كانت حين ذاك ليست بذات بال ولا تفيد سوى الجمال والكمال، ففقد أهلها من بين المسلمين، وأندثرت كتلها وأنقطعت علاقتها، فصارت منفورا منها، بل صار المتطلع إليها منهم بفسق ويرمى بالزيغ والزندقة"(21 ـ 170،171)، وأن الكواكبي بسعى لتصحيح العلاقة بين العلم والدين، وهذا ما نسعى إليه اليوم "أن بعض الاتجاهات أثرت سلبيا على العلاقة السوية بين الديم والعلم، والحل يجب أن يكون ثقافيا عمليا بالتصحيح الفكرى للعلاقة بين الدين والعلم على المستوى الثقافي والمستوى العملي"( 2ـ 194، 195)، وأن مثل هذه الأفكاركان من نتائجها تخلف الأمة عن السبق  العلمي الحضاري، وصار المسلمون عامة والعرب منهم خاصة في مصاف الدول المتخلفة، ولهذا تعد دعوة الكواكبي  في خطابه التربوي للأخذ بالعلوم الحديثة، دعوة مازال العرب في حاجة للأخذ بها.     

 ويرى الكواكبي أن التقصير في الاستفادة من العلوم الحديثة يقع على عاتق العلماء "أن علماءنا المتأخرين أكثر قصورا لأنهم في زمان ظهرت فيه فوائد هذه العلوم، ولم يحصل فيهم ميلا لاقتباسها.. والحاصل أن تقصيرات العلماء الأقدمين، واقتصارات المنأخرين، وتباعد المسلمين إلي الآن عن العلوم النافعة والحيوية، جعلتهم أحط بكثير عن الأمم"(21 ـ 173).

 العلم والاستبداد عند الكواكبي

    يسهل علي المستبد أن بسوس كثرة جاهلة من أن يسوس قلة متعلمة، وانتشار العلم يرهب المستبد، والكواكبي يقول في ذلك " المستبد عاشق للخيانة والعلماء عواذله، المستبد سلرق ومخادع، والعلماء منبهون محذرون، وللمستبد أعمال ومصالح لا بفسدها عليه إلا العلمـاء"(21 ـ357)، فالكواكبي الذي عرف العلم بأنه وضاحا للخير فضاحا للشر، من المنطقي أن يرى العلاقة بين العلم والاستبداد علي هذه الصورة .      

 

   

تصور لما يمكن توظيفه من خطاب الكواكبي

في قضايا التربية الحالية

 

   أن دراسة الخطاب التربوي ليس الهدف منه ذكر مآثر صاحبه، أوإحصاء أفكاره وأعماله، بل الهدف من دراسة الخطاب التربوي لمفكر من المفكرين، هو الاستفادة من خطابه في توجيه وإصلاح التربية في الوقت الحاضر.

    وفي خطاب الكواكبي التربوي كثير من الرسائل التي يمكن أن تفيد في بعض القضايا التربوية الحالية، ومنها:ــــ

 أولا: توحيد أصول فلسفة التربية

    في هذه المرحلة من تاريخ التربية العربية، تبدو الحاجة ملحة إلي توحيد الأصول التي تستمد منها فلسفتها وأهدافها، خاصة وأن المصادر التي يشتق كل قطر عربي منها فلسفته التربوية هو في الأغلب الأعم مصدرا غربيا، مما أدى إلي تشتت الجهود المبذوله لإصلاح التربية العربية.

   وقد كان لعدم توحيد مصادر اشتقاق الفلسفة التربوية العربية آثره السيء على الأوضاع السياسية والاجتماعية في الوكن العربي، وظهرت الخلاغات العربية العربية، والنعرات القطرية، مما أدى إلي الانقسامات حول القضايا المصيرية للأمة العربية.

    تقع مسئولية توحيد الأصول على علماء التربية والباحثين التربويين العرب، كأحد الحلول المطروحة للخروج من المأزق التربوي العربي والمتمثل في التبعية للفكر التربوي الغربي.

    يتطلب تحقيق دعوة الكواكبي إلي توحيد أصول ومصادر فلسفة التربية العربية الإسرمية ما يأتي: ــــ

1ـ تحديد الأصول التي تشتق منها فلسفة التربية العربية.

2ـ توحيد غايات التربية العربية في  غاية متفق عليها بين الأقطار العربية.

4ـ العودة إلي الأصول العربية من دينية وتاريخية واجتماعية، المتمثلة في العادات والتقاليد والقيم العربية.

 ثانيا : التربية العملية والتربية الإلداعية

    يؤكد خطاب الكواكبي على التربية العملية والإبداعية، ومازالت التربية العربية تعاني من ضعف المخرجات، التي لا تواكب سوق العمل وخاصة في ظل المنافسة العالمية التي أوجدها النظام العالمي الجديد، والسبب الرئيس في ضعف المخرجات العربية أهمال الجوانب العملية في التعليم العربي، وقلة الاهتمام بالجوانب الإبداعية في التربية العربية، إذا فأن دعوة الكواكبي للاهتمام بذلك ينبغي ألا تغيب عن أذهان المخططين للتربية العربية، وتحقيق دعوة الكواكبي تحتاج إلي ما يأتي: ـــ

1ـ التركيز علي التربية العملية، والتقليل من استخدام الطرق التي مازالت تعتمد على الدراسة النظرية والتلقين والحفظ والاستظهار.

2ـ إتاحة الفرصة لتنمية الإبداع والإبتكار والتخيل، عن طريق تنويع طرائق التدريس وفرص المناقشة في المؤسسات التعليمية.

 ثالثا: إصلاح طرائق التدريس

    إن خطاب الكواكبي التربوي كان يحاول وضع تصور كامل للتربية، فتناوله للتربية الإبداعية دعاه إلي تناول طرائق التدريس وخاصة في العلوم العربية والدينية التي كانت تشكل في ذلك الوقت النسبة الكبرى من العلوم التي تدرس، وحتى الآن يقوم تدريس هذه العلوم وغيرها اطرائق تنفر المتعلم من العلوم التي بدرسها، وإصلاح المناهج وطرائق التدريس يتطلب ما يأتي : ــــ

1ـ الاهتمام بالبحوث والدراسات الخاصة بتطوير طىق التدريس، وتطبيق ما  تتوصل إليه من نتائج

2ـ إعداد المعلم الإعداد الذي يمكنه من القيام بعملية التدربس .

3ـ الاعتماد علي التشويق الذي يحد من نفور التلاميذ من الدراسة، عن طريق الاهتمام بمحتوى المنهج، والكتب المدرسية، وتقنيات التعليم الحديثة.

رابعا: الاهتمام بالتعليم الابتدائي

    أشار خطاب الكواكبي التربوي إلي ضرورة الاهتمام بالتعليم الابتدائي، وهذا ما لا يمكن أغفاله حيث أن لهذه المرحلة اهمينها في تشكيل شخصيات الأفراد وجعلهم مواطنين صالحين،

ويتطلب الاهتمام بالتعليم الابتدائي ما يأتي: ـــ

1ـ التوسع في القبول بالمرحلة الابتدائية حتى تستوعب كل الأطفال ممن هم في سن الإلزام.

2ـ تطبيق قوانين إجبار أولياء الأمور على إلحاق أبناءهم بالتعليم الابتدائي.

3ـ تعديل مناهج المرحلة الابتدائية بما يتناسب مع خصائص الأطفال ومتطلبات العصر.

 خامسا : الاهتمام بالعلم

    أن دعوة الكواكبي للعلم، جاءت من إدراكه لما آل إليه حال العرب والمسلمين من ضعف، بسب إهمالهم للعلوم الحديثة، ومازالت أحوال العرب والمسلمين في الوقت الحاضر كما هي، لذات السبب ويصنف العالم العربي والإسلامي في عداد الدول المتخلفة نتيجة لابتعادهم عن التقدم العلمي، ويتطلب تحقيق النقدم العلمي ما يأتي: ـــ

1ـ تمويل البحث العلمي والاهتمام بالعلماء والباحثين.

2ـ تشجيع المواهب العلمية وخاصة لشباب الباحثين.

 

نتائج البحث

    مما سبق عرضه يخلص البحث إلي مجموعة من النتائج وهي : ـــ

 1ـ أن للعرب فكرا تربويا أصيلا، يمكن أن يشكل فلسفة تربوية عربية تغنى عن التبعية للفكر التربوي الغربي

 2ـأن مثل هذه الدراسات تكشف النقاب عما تحمله من أفكار الفلاسفة والمفكرين التربويين الإسلاميين من ثراء، كما تسهم في زيادة قدرتنا على استلهام ما في التراث الفكري التربوي العربي الإسلامي من قضايا فكرية تربوية تساعد في فهم الواقع التربوي المعاصر.

 3ـ ضرورة  الاهتمام بالمؤسسات التربوية، والعمل على التكامل بينها حيث إنها تمثل المحور الرئيس في العملية التربوية، ويتفق ذلك مع ما أكدته نتائج دراسة( الحجاجي) عن (الفكؤ التربوي عند ابن رجب الحنبلي) بأن" للتربية مؤسسات تربوية تسهم إسهامات مباشرة في تحقيق غايتها وأهدافها"(9 ـ 308).

 4ـ أن تقوم التربية بتوجيه اهتمام خاص بتربية  الجانب النفسي وتعويد الأفراد على سلوك الاعتدال والوشطية التي دعا إليها الدين الإسلامي، ويعد ذلك على جانب كبير من الأهمية في الوقت الراهن، لإنه يساعد على ضبط النفس ويسهم في مواجهة الحملات التي تستهدف الشباب العربي من خلال الإعلام الغربي " ومكمن الخطورة في ما يقدم من أعمال غربية للأطفال خاصة يهدف بشكل أو بأخر إلي السيطرة والهيمنةالفكرية والثقافية على عقول الصغار وبالتالي اسطيع هذه القوى عن طريق هذا الغزو الثقافي السيطرةعلى مقدرات الأمم"(3ـ280) .

  ضرورة الاهتمام بالتربية العملية والتربية الإبداعية، حبث إن التعليم من خلال التربية العملية القائمة على الممارسة العملية يكون أبقى أثرا لدى الأفراد، وتسهم التربية الإبداعية في بناء جيل من العلماء والمفكرين .

 6ـ إعادة النظر في أأساليب وظرائق تدريس اللغة العربية والعلوم الدينية، التي مازالت طرائقها السائدة طرائق عقيمة، ويتفق ذلك مع ماجاء في نتائج دراسة( تركي  ) عن ( الإمام عبد الحميد بن باديس ) حيث عاب ابن لاديس على أساليب تدريس اللغة العربية والعلوم الدينية، التي تهتمد على المحكاة اللفظية، والتي تبالغ في العناية بالفروع مع إهمال الأصول.(8ـ 261)

 7ـ  الاهتمام بالتعليم الابتدائي كما وكيفا، وجعله نعليما إجباريا إلزاميا، ويتفق ذلك مع نتائج دراسة (شوقي) عن ( فكر إسماعيل القباني التربوي)التي أكدت "أن التعليم الابتدائي يمثل الحد الأدنى الذي لا غتى عنه لنهضة الأطفال ليكونوا مواطنين مستنيرين، قادرين على شق طريقهم في الحياة"(19ـ 355).

 8 ـ أن تتولى الدولة تمويل التعليم والإنفاق عليه، ولهذه النتيجة اهميتها في الوقت الحاضر الذي تتعالى فيه الدعاوى المطالبة بخصصة التعليم المصري، وتتفق مع ماجاء في دراسة (كمال) عن (الفكر التربوي عند طه حسين) حيث أشارفي دراسته  إلي أن تتولى الدولة أمور التعليم توجيها وتمويـلا ونشرا ،وأن تأخذ الأمر بالجدية، إذ أن التعليم وسيلة النهضـة والاستقـلال والإصـلاح.(28ـ 212 : 219) .

 9ـ أن للعلم في حياة المحتمعات اهميته، التي لا غنى عنها وأن ما يعاني منه العرب وهو نتيجة تأخرهم العلمي.

 

توصيات البحث

 يوصي البحث بما يأتي : ــ

 1ـ  الاهتمام بالبحث والدراسة في فكر الفرسفة والمفكرين والمصلحين العرب، بغية التوصل من خلال أفكارهم وآراءهم إلي فلسفة عربية .

 2ـ أن تتضمن الدراسة في كليات التربية مقررا في الفكر التربوي العربي والإسلامي .

 3ـ تشجبع وتوجيه الباحثين في المجالات التربوية علي البحث في تاريخنا التربوي . 

 

مراجع البحث

أبن مسكويه، تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

15

 

 

 عودة إلي صفحة بحوثي

عودة إلي الصفحة الرئيسية