الجدوى الاقتصادية للتعليم

في

عصر العولمة

 

مقدمة

   التعليم جزء من منظومة المجتمع ، يؤثر في الأجزاء الأخرى من المنظومة ، ويتأثر بها، فمنظومة أي مجتمع جزء من المنظومة العالمية ، تؤثر فيها بقدر إمكاناتها وقدراتها ، وتتأثر بها. 

 

   وتشكل المنظومة العالمية عوامل ضغط خارجية علي منظومة المجتمع المحلي ، ومن َثمٌ تؤثر في التعليم بوصفه جزءاً من منظومة المجتمع ، وتختلف شدة الضغط تبعاً لاختلاف العصر؛  والعصر الحالي الذي يشهد تغييرات سريعة ومتلاحقة في المجالات الاقتصادية والعلمية والسياسية كافة ، تمثل عوامل ضغط علي المنظومات المجتمعية بعامة ، والتعليم بخاصة .

 

   وإذا كان العصر ينعت بعصر العولمة ، لكثرة تداول الحديث عنها ، فإن العولمة ليست السمة الوحيدة لهذا العصر ، فهو يتسم أيضا بالثورات العلمية والمعرفية ( ثورة المعلومات ، و ثورة الاتصالات والثورة التكنولوجية )، وتلك الثورات تمثل طفرات تطورية للتقدم العلمي الناشئ مع الثورة الصناعية .

 

   أما فكرة العولمة التي شغلت أذهان الباحثين في المجالات العلمية والاقتصادية والسياسية والتربوية ، تعد من أكثر عوامل الضغط  تأثيرا في المجتمعات ، ومن ثم في التعليم ، وربما لكثرة الحديث عن العولمة يعتقد البعض أن العولمة حتمية، والإقرار بها والتعامل وفق مقتضياتها ضرورة .

 

   و العولمة في جوهرها ظاهرة اقتصادية ، وحيث إن الاقتصاد عصب حياة المجتمعات ، كان للعولمة الاقتصادية  تأثيراتها في النظم الاجتماعية والسياسية والثقافية والتعليمية أيضا،  والتي تعد تحديات لدول العالم النامي ، التي مازالت تخطو نحو التنمية الشاملة .

 

   إن ما يموج به العالم من تغييرات سواء أكانت ناشئة عن العولمة الاقتصادية وتجلياتها أم عن الثورات العلمية لها تأثيراتها في الجدوى الاقتصادية للتعليم ، وإذا كانت دراسة الجدوى بالمنظور الاقتصادي هي " أسلوب علمي لتقدير احتمالات نجاح أو فشل مشروع معين أو فكرة استثمارية أو قرار استراتيجي ، قبل التنفيذ الفعلي " (عبد العظيم،1999،ص12)، تصبح دراسة الجدوى الاقتصادية للتعليم، مرتبطة بتناول ما يحققه نجاح التعليم في ضوء ما يساد هذا العصر من تقدم في مجال المعلومات ، أدى إلي تعديل طريقة اكتسابها ، وما يسوده من عولمة اقتصادية تتطلب مهارات جديدة لتحقيق إنتاجية  سلعية أو خدمية تكون لها القدرة علي المنافسة .

 

   وتحقيق الجدوى الاقتصادية للتعليم يتطلب تحقق الجودة التعليمية ،بإعادة النظر في ما يكسبه التعليم للأفراد من مهارات ومعلومات وطرق تفكير ، وتطويرها لتتوافق مع متطلبات المتغيرات التي تفرضها تحديات العصر .

 

   ومن ثم تصبح المحاور التي يسير عليها هذا البحث ووفق المخطط ،(شكل 1) علي النحو الأتي:ـ

ـ العصر وتحدياته ، يتناول تحديد سمات العصر والتحديات التي تنشأ نتيجة  للتغيرات الحادثة عن السمات

·   العولمة وتحدياتها.

·   الثورات العلمية وتحدياتها.

ـ الجدوى الاقتصادية للتعليم في عصر العولمة ويتناول :

     *أهمية دراسة الجدوى الاقتصادية للتعليم في عصر العولمة .

·   الجودة التعليمية.

·   الجدوى الاقتصادية للتعليم المصري 

 

عصر العولمة وتحدياته

 

   يتميز العصر الحالي عن العصور السابقة ، بسرعة التغيير في مجالات الحياة كافة ، حتى أصبح ينعت بعصر الثورات ، الثورة المعلوماتية و الثورة التكنولوجية وثورة الاتصالات ، وتمثل تلك الثورات العلمية والتقنية قفزات في هذه المجالات ، أي تطورات سريعة ومتلاحقة " فالثورات العلمية مقصود بها سلسلة الأحداث التطورية غير التراكمية ، والتي يستبدل فيها بالنموذج الإرشادي القديم ، كليَا أو جزئياَ؛ نموذجاً إرشادياً جديداً ومتعارضاً معه "(كون،2003،ص143).

 

     وما شهده العالم خلال العقود الأخيرة من القرن الماضي، من تطورات متلاحقة وسريعة في مجال المعرفة والتكنولوجيا ، وظهور فكرة العولمة الاقتصادية بتجلياتها السياسية والثقافية والاجتماعية ؛ أحدث تأثيراً علي منظومة المجتمعات في دول العالم كافة ، وأمام هذه التأثيرات انقسم العالم إلي كتلتين ، كتلة مؤثرة وتتمثل في دول العالم المتقدم (الشمال) وهي التي تنتج المعلومات والتكنولوجيا ،وتسيطر علي الاقتصاد ، وكتلة متأثرة وتتمثل في دول العالم النامي (الجنوب) وهي التي تستهلك نتاج المعلومات والتكنولوجيا ، دون أن تكون فعالة في ميدان إنتاجها.

 

   ونتيجة هذا التأثير والتأثر بين كتلتين غير متكافئتين ، نشأ صراع يطلق عليه صراع الشمال والجنوب، وأخذ هذا الصراع أشكالاَ متعددة سياسية وثقافية واقتصادية وعسكرية .

 

   أما مصطلح التحديات الذي يطلق علي المتغيرات الناتجة عن التطور العلمي والتكنولوجي والعولمة  ، والذي شاع استخدامه في الخطاب السياسي والثقافي والتربوي في دول العالم الثالث، إنما يدل علي عدم قدرة هذه الدول علي التعامل مع متغيرات العلم ، وعدم قدرتها علي المنافسة في السوق الاقتصادية الجديدة  في الوقت الذي أصبحت فيه هذه المتغيرات قوى لتقدم الدول المتقدمة ، أصبحت معوقا لنمو الدول النامية ، التي لا تستطيع ملاحقة التطور واستيعاب الجديد من العلم والتكنولوجيا ، ولا تستطيع منع تأثير هذه المتغيرات علي الجوانب السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية عن مجتمعاتها   .

 

  وتعد التربية جزءاً من منظومة المجتمعات ، ومن ثم تتأثر بهذه المتغيرات" حيث تمثل هذه البيئة العالمية المتغيرة تحديا لها ، وهذه المتغيرات لن تؤثر فيشكل ونمط العملية التربوية فحسب، بل أيضا في هدفها وبينما تمثل هذه المتغيرات مصادر فرص للبعض ، تمثل كذلك تهديدات وتحديات للآخرين ، ومن أكثر هذه المتغيرات تأثيرا ، الدور المتزايد للمعرفة وثورة الاتصالات والمعلومات"Holm,2001,p1)  )

 

   ومن ثم فإن هذه المتغيرات سوف تؤثر في التعليم وجدواه الاقتصادية ، وتمثل تحديات للتعليم في الدول النامية بخاصة ، وتتمثل هذه التحديات في تحديات أفرزتها العولمة ، وتحديات أفرزتها الثورات العلمية والتقنية .

 

اولا :العولمة  وتحدياتها

1ـ العولمة

 

   مصطلح العولمة من المصطلحات التي يدور حولها كثير من الجدل ؛ لأن " المفهوم مراوغ ، ومتعدد الدلالات ، ومختلف المعاني ؛ وعمومية استخدام المصطلح تجعل من الصعب إيجاد مفهوم خاص له ، يتمتع بالقبول الجماهيري الشائع " ( الخضيري ، 2001، ص 29) ، ومما يؤدي إلي صعوبة تحديد المصطلح، الانقسام الحاد حول فكرة العولمة بين أنصارها ؛ وأعدائها ، ففي الوقت الذي يرى فيه أنصار العولمة في غمرة حماسهم للفكرة، أنها الطريق إلي السلام والازدهار ؛ يرى أعداء العولمة أنها محاولة للسيطرة علي مقدرات الشعوب ، ورغبة من العالم الغني في السيطرة علي العالم الفقير .

 

   هذا الصراع حول ظل مُطٌرداً حتى أنه " علي الرغم من كثرة ما كتب .عن العولمة وما أثير حولها من قضايا ، تظل أبعد ما تكون عن التحديد سواء من حيث ماهيتها أو مآلها ، فمازال خطاب العولمة رهنا بالمبادرات الأكاديمية ، والمنازعات الفكرية ، ولا يزال نطاق الجدل يتسع حتى كاد أن يشمل جميع أمور الحياة " ( علي ، 2003، ص 62) .

 

   والباحث في مجال العولمة يجد نفسه أمام كم من الكتابات حول العولمة ، هذا الكم لا يكون معينا للباحث في بحثه ، بل معوقا له ، وذلك لاختلاف الآراء حولها  ، تبعا لاختلاف  توجهات أصحابها؛ إذ  يرى المناهضون للعولمة أنها " ليست سوى عمولة ، حيث تبدو الولايات المتحدة الأمريكية فيها بصورة البلطجي العالمي الذي يحمل بلطته مهددا للحصول علي عمولة،  أنها عمولة الارتزاق والعسكرة "( حنفي، والعظم ،1999، ص79)، في حين يرى المؤيدون لها أنها  تقدم تقني وتوسع تجاري ، ينعكس أثرهما علي ارتفاع مستوى معيشة الناس حول العالم ؛ وتحقق العولمة احتراما للقانون ، وحقوق الإنسان ، وتطبيق الديمقراطية السياسية ، وتمويل المجتمعات النامية.

 

   علي الرغم من كل هذه الاختلافات حول العولمة ، إلا أن هناك شبه اتفاق بين المؤيدين والمعارضين للعولمة ، بأن فكرة العولمة فكرة أمريكية ؛ وأختلف مع هذه الرؤية لمنشأ العولمة، وأرى أنها فكرة صهيونية منشأها المنظمات الصهيونية العالمية ، حيث تدعو برتوكولات حكماء صهيون إلي حكومة عالمية يهودية ، ولقد سعت الصهيونية إلي تحقيق ذلك عن طريق المحافل الماسونية التي نشرتها في أرجاء الكون لتحقيق هذا الهدف ،" فالماسونية مؤسسة يهودية في تاريخها ودرجاتها وتعاليمها وكلمات السر فيها، وكان الغرض من تأسيسها مناهضة الدين المسيحي، ثم تطور غرضها إلي مناهضة الأديان بعامة وإعادة مجد إسرائيل والعودة إلي أرض فلسطين "(البنداري،2001،ص38،39)، وهذا يؤكد مدى سعي الصهيونية لتحقق حلمها بالدولة اليهودية العالمية التي تبدأ من فلسطين (أرض الميعاد) ، ولكن حين وجدت الصهيونية فرصتها في طريق أسرع لتحقيق الحلم ، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ، وانفراد الولايات المتحدة الأمريكية بالعالم كقوة مسيطرة ، سعت الصهيونية العالمية للتحالف معها لتحقيق الحلم بسرعة أكبر  وفكرة اليهود للتحالف مع الأقوى ليست حديثة ؛ " فهم يراقبون بدقة وحذر (مراكز القوة) من أجل معرفة النجم الصاعد ، ليتحالفوا معه،  غير سائلين عن سلوكه ، وما يعتقده، ولا عن ماضيه ونظافته ، المهم عندهم أن يكون قويا أو مرشحا ليكون كذلك "(السامرائي،1992،ص84) ،ليكون معبراَ لهم لتحقيق أهدافهم ، ووجدت الصهيونية في هذا التحالف الصهيوـ أمريكي، فرصة لتحقيق الحلم الصهيوني الذي جاء به البروتوكول الثالث من برتوكولات حكماء صهيون؛ ففيه"إن الجوع سيخول لرأس المال حقوقا على العامل ، أكثر مما تستطيع سلطة الحكام الشرعية أن تخول الطبقة الارستقراطية من الحقوق ؛ ونحن نحكم الطوائف باستغلال مشاعر الحسد والبغضاء التي يؤججها الضيق والفقر، فهذه المشاعر سبيلنا ، وحينما يأتي أوان  تتويج حاكمنا العالمي سنتمسك بهذه الوسائل نفسها ، ونستغل الغوغاء كيما نحطم كل شئ يثبت أنه عقبة في طريقنا" (التونسي،1980،ص 71) .

 

   والمراقب لما يحدث من سيناريوهات علي الساحة العالمية في الوقت الحالي ، تحت مسمى العولمة ، يجد أن فكرة العولمة  بأبعادها السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية ، هي وسيلة لتحقيق ما جاء في برتوكول حكماء صهيون ، وأصبح لرأس المال المتمثل في الشركات عابرة القوميات القدرة علي التحكم في أمور الأفراد، أكثر بكثير مما تملكه الحكومات من قدرة على التحكم في شعوبها ، والتخطيط لإفقار الشعوب ـ وأن تجربة النمور الآسيوية ليست ببعيدة لنشر الجوع ـ ومن ثم يتحقق لهم السيطرة، التي تمهد لقيام الدولة اليهودية العالمية .

   ولعل في تفسير علاقة العولمة بالصهيونية إجابة عن السؤال الذي يطرحه بعض الباحثين حول العولمة والأيدي الخفية ، " إلي أين يذهب بنا هذا الاقتصاد العولمي معصوب العينين، الذي جعل مصير البشر لعبة تتقاذفها أياديه الخفية وتقلبات أسواقه وقصر نظر استراتيجياته وتكتيكاته؟ ومن وجهة نظر (جون جراي) ما هذه الأيدي الخفية إلا وسيلة لإخفاء يد السلطة التي صنعتها "(علي ، 2001، ص42) ، حقا إنها وسيلة لإخفاء حقيقة صانعي العولمة ، وهي الصهيونية العالمية بمؤسساتها الاقتصادية والإعلامية ، وتاريخ النشاط السري والنشاط الخفي لهذه المنظمات الصهيونية ، المعروف لدي العالم علي مر التاريخ ، يؤكد اقتراب الباحث من الحقيقة في تفسيره للعولمة بأنها فكرة صهيونية.

 

    والعولمة في حقيقتها ،على الرغم من كل ما يكتب عن أبعادها ؛ هي عملية اقتصادية ، وهذا ما سوف يسعي الباحث لتأكيده، من خلال دراسة بعض خصائص العولمة  وتحدياتها ،  ويلاحظ أن "الخصائص المميزة للنظام العالمي الجديد(العولمة)، تلك الخصائص الاقتصادية القائمة علي الاعتقاد السائد بأن العالم أصبح وحدة متكاملة ، تدين من خلال العولمة للسمات الرأسمالية الواضحة واتجاهاتها المتزايدة التي أصبح يشار إليها عند كثير من الكتاب بالرأسمالية المتوحشة"(السيد،2002،ص36).

 

   وتحقيق هدف العولمة الرئيس ، جعل العالم سوقا واحداَ ، وأداة العولمة لتحقيق ذلك هي"الشركات العابرة للقوميات التي تكون من رأسمال طليق ؛ دون هوية قومية محددة؛ لها إدارة عالمية؛ وهي مستعدة لأن تستقر في أي مكان في المعمورة ، وأن يغير موقعها من أجل أن تحصل علي أفضل العوائد ضمانا وأعلاها قيمة "(هيرست، وطومبسون،2001،ص24) .

 

   ومما تجلي عن سعي العولمة لتحقيق هدفها الاقتصادي ، التدخل في الشئون الداخلية للدول لترضخ بفتح أسواقها  للمنتجات العالمية ولو اضطرت الدول صاحبة الاستفادة من فتح تلك الأسواق إلي استخدام القوة العسكرية ولذا  أصبحت القوة العسكرية بعد العولمة هي التي تستطيع كسب الأسواق الجديدة ، وتنظيم وتحديد التجارة بالأسواق الرائجة وأيضا لحماية مكاسبهم وترويج أفكار التطوير، أي أن الجانب العسكري للعولمة جاء كضرورة لتحقيق الهدف الاقتصادي وما يحدث في العراق الآن ليس إلا نموذجا لهذا الجانب العسكري .

 

   ولم يتوقف تدخل قوى العولمة عند التدخل العسكري، بل تعداه إلي التدخل في كافة أنظمة الدول ، فالعولمة الاقتصادية هي " توحيد الاستهلاك وخلق عادات استهلاكية علي نطاق عالمي ، وبالتالي التدخل في أمور الاقتصاد والاجتماع والسياسة والثقافة والسلوك ، دون اعتداد يذكر بالحدود السياسية للدول ذات السيادة "(حنفي ،والعظم، 1999،ص73).

 

   يؤكد كل ما سبق علي أن العولمة فكرة اقتصادية ، وحيث إن الاقتصاد عصب المجتمعات ، فهو المؤثر في الأنشطة كافة من سياسية واجتماعية وثقافية وتربوية ، أصبحت العلاقة بين العولمة و مناحي الحياة في العالم علاقة تأثير وتأثر ، وأصبحت لها تأثيراتها في حياة الناس سواء بشكل مباشر أم غير مباشر ، وليس  هذا إقراراً بحتمية العولمة ، بالمعني الذي ذهب إليه البعض ، بل إنا ما أقصده أن العلاقات الاقتصادية المتشعبة بين الدول تجعل العولمة في شكلها الاقتصادي سبيل إلي التأثير في الناس ، وأصبحت دراسة هذه التأثيرات ضرورة لضمان العيش في مجتمع العصر .

 

2ـ تحديات العولمة

 

   أود الإشارة إلي أن كثيرا من الخلط يحدث بين تحديات العولمة ، والتقدم العلمي والتقني  للعصر ، أن الثورات العلمية ليست من نتاج العولمة ولكنها من تطور النتائج العلمية التي ترتبت علي الثورة الصناعية ، ولقد استفادت العولمة من تلك المنجزات العلمية والتقنية ، والتي ساهمت في سرعة نشر أفكار العولمة وخاصة بما تملكه من تقدم في مجال الاتصالات ونقل المعلومات.

 

   وتحديات العولمة تتحدد في أشكال السيطرة والهيمنة علي شعوب العالم، متمثلة في فرض نماذج اقتصادية وثقافية وسياسية ،علي شعوب العالم .

 

1/2فرض النموذج الاقتصادي

   سبقت الإشارة إلي أن العولمة لا تعدو كونها حركة اقتصادية ، تهدف إلي سوق عالمية وهي التي" يقوم عليها  الاقتصاد العالمي وفقا لنظريات التكامل والاعتماد والتبادل الدولي القائمة علي توزيع وتسويق الفائض ، وليس للاستهلاك المحلي فحسب ،فهي سوق تنافسية ولا وجود فيها للمنظومة المحلية أو الإقليمية ؛ فيها تتحدد أسعار كل شئ وفقا للمتغيرات العالمية ، والنتيجة الحتمية لهذه السوق هي انهيار الاقتصاديات غير القادرة علي المنافسة، وتعد العولمة التعبير الأكثر صراحة عن هذا النظام"(إمام ،2002،ص74)؛ وهذه السوق " تشتد فيها وطأة المنافسة ويتسع نطاقها بحيث تمتد من سوق السلع إلي سوق العمل ورأس المال"(خطيب،2002،ص13).

 

   إن صورة النظام الاقتصادي الذي تسعى العولمة لفرضه علي دول العالم كافة ،هو نظام السوق الحر من كل القيود ، ومن ثم  ترتب علي هذا النموذج الاقتصادي ما يأتي :

أـ أصبحت العولمة حربا حقيقية لتدمير اقتصاديات دول الجنوب التي مازالت تحتمي وراء حواجز الحماية الاقتصادية والجمركية في محاولة للنمو المستقل (حاتم، 2003   ).

ب ـ مع المضي في توسع ليبرالية الاقتصاد العالمي ، وإزالة الضوابط عن الاقتصاديات المحلية تمخضت آثار خطيرة في آسيا في أسواق المال ، أدت إلي نشوب أزمات اقتصادية وبطالة وافتقار(هيرست ،و طومبسون،2001، ص 13).

 

ج ـ مع التحول الاقتصادي تصاعدت أزمة المديونية في الدول النامية ، مما ساعد علي تدخل المنظمات الدولية الاقتصادية في رسم السياسات الاقتصادية التنموية في عدد من هذه الدول (السيد،2002، ص37).

د ـ أن التأثير الحقيقي لتزايد الانفتاح العالمي علي التجارة ، وحركات رأس المال ، من شأنه أن يجعل البلدان المتوسطة ، مثل فرنسا وألمانيا ، أكثر شبها بالبلدان الصغيرة الأشد تدويلا مثل النمسا و سويسرا(هيرست ،و طومبسون،2001، ص245).

هـ ـ  تراجع الدول عن المكاسب الاجتماعية القديمة ، وتدهور القوة الشرائية لكثير من الفئات الاجتماعية ، وازدياد نسب البطالة والفقر (الجنحاني ، 1999،ص30).

 

   أما عن تأثيرات هذا النموذج الاقتصادي ، أو عولمة الاقتصاد في مصر ، بحسب أن أول معالم العولمة التي استجابت لها مصر كانت العولمة الاقتصادية تتمثل في :ـ

أن استجابة مصر لمبدأ تحرير التجارة الخارجية أدى إلي زيادة الواردات بمعدلات مرتفعة ، خصوصا منذ عام 1996، في الوقت الذي لم يبذل فيه جهد كاف لزيادة الصادرات ، وكانت النتيجة ما يعانيه الاقتصاد المصري من تزايد العجز في الميزان التجاري، ففي عام 1998/1999 زادت واردات مصر بما يعادل 23% عن العام السابق ، وانخفضت   الصادرت في الفترة نفسها بما يعادل 19% ، مما ساهم في عجز ميزان المدفوعات المصري وبالتالي انخفاض سعر الجنية المصري(السعيد،2003، ص42،41).

 

   وأكدت  إحدى الدراسات أنه "نتج عن الحالة الاقتصادية لفترة إعادة الهيكلة ، وما تبعها من خصخصة المشروعات إلي ارتفاع معدل البطالة لإجمالي قوة العمل من 2,3% عام 1960 ليصل إلي 15% عام 1990"(حافظ،2000، ص83)

 

2/2 فرض النموذج الثقافي

 

    تحاول العولمة فرض نموذجاً ثقافياً علي المجتمعات ، وهي بذلك تريد أن تطمس ظاهرة التمايز الثقافي التي عايشتها البشرية علي مر تاريخها، علما بأن "الثقافة بناء حضاري

إنساني يقوم علي نظام متميز ونسق خاص للقيم الاجتماعية والمفاهيم الفكرية،(الفقي،2000،ص115)، ومن ثم فإن فرض ثقافة بعينها علي المجتمعات كافة أمر لا يمكن تحقيقه ،والثقافة التي تنشدها العولمة ليست ثقافة عالمية " بل هي " عولمة لثقافة بعينها يخضعون بوساطتها، أذواق الناس في كل مكان تقريبا من الكرة الأرضية ، لمؤثرات تعمل علي تغيير أذواقهم ,أنماط سلوكهم في اتجاه الأذواق والقيم وأنماط السلوك النابعة من الغرب ، ومن ثم فأن ظاهرة عولمة الثقافة هي في الأساس عملية تغريب"(أمين،1999، ص116)، وما تهدف إليه عولمة الثقافة هو  "شيوع أنماط الاستهلاك الغربية وقيمه؛ للترويج للصناعات والمنتجات الصناعية ، وتصور الحياة علي أنها متعة ورفاهية "(حنفي والعظم،1999، ص27)، أي أن النموذج الثقافي يرتبط بتحقيق هدف العولمة الاقتصادي ، وهذا يؤكد أن العولمة فكرة اقتصادية ، ومن تأثيرات العولمة الثقافية ما يأتي :ـ

أ ـ إضعاف اللغة القومية

  

    حيث إن انتشار ثقافة ما ، يؤدي إلي انتشار لغتها ونتيجة لذلك " تفاقمت ظاهرة الانقراض اللغوي كوباء ثقافي يجتاح العالم بأسره ، وذلك بسبب طغيان اللغة الإنجليزية علي ساحة المعلوماتية ، وتشير إحصائيات اليونسكو عن الوضع العالمي للغات البشرية إلي أن نصف لغات العالم (6000) لغة مهددة بالانقراض ، ومعدل انقراضها في تسارع متزايد ، حتى وصل هذا المعدل  حاليا إلي انقراض لغة إنسانية كل أسبوعين "(علي ،2003، ص57)، وأن اللغة العربية في مصر ، بل وفي العالم العربي كله تلاحظ الدراسات "إنها تجري إزاحتها تدريجيا من مكانها في الحياة اليومية لحساب اللغات الأجنبية، سواء في الخطاب الشفوي ، أو المرسلات أو وسائل الإعلام ،بل حتى بوصفها لغة للتعليم في المدارس والجامعات"(أمين،1999، ص116)، مما سوف يكون له تأثيره السلبي علي الثقافة العربية والتعليم العربي.

 

ب ـ سلب الهوية

 

    من أمور العولمة التي تشغل حيزا كبيرا من اهتمام شعوب العالم بعامة والشعب العربي يخاصة؛ ما تتركه من أثر على الهوية القومية؛ذلك لإن الهوية هي الميزة التي يتميز بها مجتمع ما عن غيره من المجتمعات "فالهوية مجموع قوائم السلوك واللغة والثقافة التي تسمح  لشخص ما أن يتعرف علي انتمائه إلي جماعة اجتماعية والتماثل معها "(فاريني ، 2003، ص14).

 

   والعولمة تسعى نحو أن " تذوب الثقافات القومية ، والاقتصاديات القومية ، والحدود القومية ، وتقف فكرة وجود عملية سريعة وجديدة من العولمة الاقتصادية في القلب من هذا التصور "(هيرست ،و طومبسون،2001،ص 9)، وهذا تأكيد آخر علي ما سبقت الإشارة إليه من أن العولمة ليست سوى فكرة اقتصادية ، فالعولمة الاقتصادية هي المركز الذي تدور في فلكه الأبعاد الأخرى للعولمة .

 

   عملية سلب الهوية أو مسخ الحضارات تؤكد علي أن فكرة العولمة في أصلها  صهيونية، تعمد إلي  القضاء علي الكيانات السياسية والحضارية،و"في ظل عولمة أعطت لنفسها الحق في تجنيس ثقافات العالم ، وطمس ملامح خصوصيتها فهم يريدون لنا بعولمتهم ، أن نكون عالميين ، بلا مكان و بلا تاريخ"(علي،2001، ص45)، مما يسهل تحقيق ما جاء في برتوكولات حكماء صهيون  بخصوص الدولة اليهودية العالمية.

 

   وفي نطاق سلب الهوية يتصدر النظام الاجتماعي قائمة اهتمامات أصحاب فكرة العولمة  ، بعد ما تم الإعداد للقضاء علي اللغات القومية ، فالقضاء علي النظم الاجتماعية يعني القضاء علي العقائد والعادات والتقاليد والأعراف فأنه" بوصفه نتيجة مباشرة للعولمة يمكن أن نتحدث عن نشوء نظام اجتماعي  ـ بعد تقليدي ـ وهو ليس نظاما تتلاشى فيه التقاليد ، بل أنه نظام يغير فيه التقليد مكانته ووظيفته ، و يصبح لزاما علي التقاليد أن تفسر ذاتها ، أي أن التقاليد في مجتمع متعولم وعالمي الثقافة وضعت قسرا علي محك البحث الصريح ، إذ يتعين تقديم الأسباب والمبررات دفاعا عنها "(جيدنز،2002، ص12).

 

3/2 فرض النموذج السياسي

 

    إن ما تسعى إليه العولمة في المجال السياسي ، هو فرض هيمنتها علي حكومات الدول النامية ، تحت مسمى الديمقراطية ، والسؤال الذي يطرح نفسه ، هل الديمقراطية الغربية أنسب السبل لتحقيق العدالة والمساواة والحرية؟ ، علامات استفهام كثيرة تطرح نفسها مع هذا السؤال ؛ ولكن في أضيق الحدود سوف يجيب الباحث عنه من خلال رؤيته الخاصة، وهو أن النظام السياسي وشكل الحكم ، من إفراز المجتمع بتاريخه وثقافته ونظامه الاجتماعي ، وما يصلح لمجتمع قد لا يصلح لغيره من المجتمعات ، وعلي سبيل المثال المجتمعات التي مازالت تسودها القبلية العصبية ، لا يصلح لها هذا النظام ، بل يتحول إلي مجرد شكل غير قابل للتطبيق الفعلي ، ولقد تحولت في بعض المجتمعات فكرة التعددية الحزبية إلي استبدال القبلية العصبية ، بقبلية سياسية ، وكذلك عدم نضوج المفاهيم السياسية لدى بعض المجتمعات، أدى إلي أ ن تحولت هذه الديمقراطية إلي غوغائية ؛ ويرى الباحث أن ديكتاتورية الحكماء أفضل لبعض المجتمعات من ديمقراطية الغوغاء .

 

   ومما نتج عن إقحام الدول في هذا النظام الديمقراطي " ظهور بعض المشكلات البيئية المرتبطة بطبيعة المجتمع واقتصاده وثقافته وتاريخه الموروث ؛تلك التي تظهر في شكل حركات تمرد وصراع طائفي ، وأيضا من بين المشكلات المرتبطة بتطبيق النظم الديمقراطية الاضطرابات  السياسية بوصفها نتيجة لانفتاح هذه النظم علي البيئات المحيطة ،بينما هي لما تزل هشة في طور التكوين"(هينتيجون، 1993، ص2294،295ـ نقلا عن ، السيد، 2002، ص 65)، أي علي كل مجتمع أن يتخذ النظام السياسي الذي يتوافق معه ، والتطور الطبيعي  للمجتمع سوف ينتهي به إلي نظام مثالي ، مع الأخذ في الحسبان أن المثالية نسبية.

 

   ونظرا لخطورة النتائج المترتبةعلي اتباع هذا النموذج السياسي المفروض من قبل العولمة، " حذر الكثيرون من المصير المشؤوم الذي تدفع العولمة إليه دول الأطراف ، فهي تقلص

من سلطان هذه الدول ، وتضيق الخناق علي مناوراتها ، وهكذا تظل سيادتها تتآكل "(علي ،2001، ص44) ، وقد أخذ هذا التدخل للتقليل من سيادة الدول، أشكالا متعددة، منها ما  يتصل بحقوق الإنسان أو المرأة أو الأقليات، وغير ذلك من ذرائع التدخل السياسي في شئون الدول، يتطور في بعض الأحيان ليصل إلي التدخل العسكري .

 

   ومن التحديات التي تواجه الأنظمة السياسية أيضا  بفعل العولمة أنه "في ظل العولمة ، تخضع الحياة الاقتصادية والسياسية أكثر فاكثر لتأثير قوى السوق  ، وهذه بدورها تخضع لتأثير مصالح الشركات المحلية والدولية أكثر مما تخضع لأوامر الدولة ، إن من أهم ملامح العولمة انحسار قوة الدولة ، وبخاصة في البلاد الأقل نموا ، فإن سيادة الدولة الوطنية أخذه في الانحسار تاركة مكانها لسيطرة منتجي السلع والخدمات"(أمين،1999،ص122).

 

ثانيا : الثورات العلمية وتحدياتها

 

   التقدم العلمي والتقني الذي تجاوز حدود التطور التدريجي  أو التراكمي للعلم ، أطلق عليه ثورة علمية ، وهذا التقدم العلمي على الرغم من أنه أفاد البشرية ، إلا أنه ترك آثاراً غير متوقعة سواء علي البيئة أو الإنسان ، وملاحقة هذا التقدم العلمي والتقني  يمثل مشكلة للإنسان في دول العالم النامي ، التي لم تتمكن مؤسساتها التعليمية حتى الآن أن تعد الإنسان القادر علي التعامل مع التقدم العلمي .

 

1ـ الثورة المعلوماتية

     ترتبط الثورة المعلوماتية بالتقدم التقني الذي بلغته وسائل الاتصال، مما ساعد علي نشر المعلومات وتبادلها بسرعة فائقة ، " وتكنولوجيا المعلومات تختلف اختلافا جوهريا عما سبقها من تكنولوجيات ، وذلك نظرا لتفاعلها مع جميع عناصر المجتمع الإنساني المادية وغير المادية ، وهو ما جعل من تكنولوجيا المعلومات قاسما مشتركا في جميع الأنشطة الإنسانية ، ولقد انصهرت تكنولوجيا المعلومات في كيان المجتمع الإنساني لتتجلى في عولمة اقتصادية وإعلامية ساحقة "(علي ، 2003، ص15).

 

   علي الرغم من إمكان تملك معلومات ، إلا أن المعلومات ليست هدفا في حد ذاتها ، وهذه هي القضية التي لم تستوعبها غالبية دول العالم النامي ؛ فسعت إلي امتلاك وسائط المعلوماتية ، ظنا منها أنها أصبحت من الدول المشاركة في مجال المعلومات ولكن " تحقيق مجتمع المعلومات في الدول المتقدمة لم يكن سوى الخطوة الأولي في بناء مجتمعات عصرية ، وسيسود نموذجها القرن الحادي والعشرين ؛ فقد بدأت ملامح الخطوة الثانية الحاسمة ، وهي الانتقال من مجتمع المعلومات إلي مجتمع المعرفة ، ومنطق الانتقال أن المعلومات بذاتها ليست معرفة ، وإنما هي المواد الخام لتحقيق صور شتى من المعارف السياسية والاقتصادية والثقافية "(يسين ، 2000، ص232).

 

    ولقد كان للثورة المعلوماتية دورها في تفعيل مجتمع المعرفة، وتنمية وتزايد المعرفة ، ويشير البعض إلي هذا التزايد المطرد في مجال المعرفة بالانفجار المعرفي ، لأن " البحوث العلمية تتقدم بدرجة فائقة السرعة ، بحيث إن كل دقيقة تمر يتم معرفة معلومة علمية جديدة في العالم ، وتظهر تطبيقاتها العلمية في تقدم التكنولوجيا، وقد أصبحت المعرفة تتضاعف في أقل من أربعة عقود ، والحضارة الجديدة هي مزيج من التقدم التكنولوجي والثورة المعلوماتية"(عمارة، 200، ص36).

 

   وفي ظل التقدم المعلوماتي والمعرفي والتقني ، تغيرت معايير الثروة والقوة ، وأصبحت المعلومات والمعرفة المعيار لأن"التنمية وزيادة الإنتاج والإنتاجية أصبحت تعتمد علي قيمة المعرفة ، أكثر من اعتمادها علي عوامل الإنتاج المادية، كالأرض ورأس المال ووفرة الثروات الطبيعية، وحتى وفرة القوى العاملة، والواقع أن تكلفة المعرفة تتجاوز في معظم الحالات تكلفة عوامل الإنتاج المادية كلها ، كما أن قيمتها المضافة تمثل أضعافاً مضاعفة لعوائد غيرها من عوائد الإنتاج الأخرى"(عمار،2000، ص38،37)، ومن ثم أصبحت هذه المعايير الجديدة المبنية علي المعرفة أحد التحديات التي تواجه المجتمعات النامية ، غير القادرة علي بناء نظام تعليمي يمكن أفرادها من مسايرة هذا التقدم في المعرفة والمعلوماتية.

2ـ الثورة التكنولوجية

   إن الارتباط بين مجالات التقدم كافة في العصر الحالي  ارتباط وثيق، لدرجة يصعب فيها الفصل بين مجال وأخر فصلا دقيقا ، فالثورة المعلوماتية تؤثر في تقدم الاقتصاد العالمي ، والثورة التكنولوجية تؤثر في تقدم وسائل الاتصال ونقل المعلومات ؛ أي تؤثر في تقدم الثورة المعلوماتية ، ومن ثم فهي تؤثر في الاقتصاد العالمي، وهكذا.

 

   ومن ثم فإن الثورة التكنولوجية تعد" المرتكز الأساسي في تكوين حداثة العصر الراهن، وهي التي وسعت نطاقات المعرفة ، وغيرت فيه علاقات الإنسان بالموجودات ، ومضمون المحيط المعيشي الذي يحيا بداخله"(الزعابي،2002،ص67) ، وهذه "الثورة التكنولوجية ، تعتمد علي المعرفة المتقدمة ، أي أنها ثورة عقول مبدعة ، وبالتالي فليس المهم فيها تملك الثروة، بل المهم فيها تملك القدرة علي الاستخدام الأمثل للقدرات"(مطاوع،2002، ص35).

 

   وهذه الخاصية للثورة التكنولوجية تعد من أهم التحديات التي تواجه مجتمعات الدول النامية، ولأن " التكنولوجيا جعلت المعرفة والمهارات المصادر الوحيدة للسوق الاستراتيجي المستدام"(كاكو، 2001، ص172)، أصبح علي هذه الدول رفع مستوى المعرفة والمهارة لدى مواطنيها ، وعدم تحقيق ذلك سوف يؤدي إلي عدم قدرتها علي المشاركة التنافسية في السوق العالمي ، وارتفاع نسبة البطالة

 

التعليم ومتغيرات العصر

 

   ما سبق من دراسة لمتغيرات العصر ، وما تمثله من تحديات ، يمثل ركنا رئيسا في البحث الحالي، حيث إنه يفسر العوامل أو الضغوط المؤثرة في التعليم ، ومن ثم في الجدوى الاقتصادية للتعليم ، وفي ضوئه تتحدد متطلبات التعليم في عصر العولمة ، وذلك لأن التعليم ليس منظومة منفصلة ، بل التعليم منظومة فرعية من منظومات المجتمع ، والتعليم يتأثر بغيره من المنظومات الفرعية ، كما يؤثر فيها من خلال علاقات وتفاعلات متبادلة.

 

   فالتعليم يتأثر بما يحدث من تغيرات في المنظومة الاقتصادية للمجتمع، فالزيادة أو العجز في ميزانية الدولة ، تؤثر في تمويل التعليم ، وفي الوقت ذاته يؤثر التعليم في المنظومة الاقتصادية،  فنوعية مخرجات التعليم علي قدر ما تملكه من مهارات تتلاءم أو لا تتلاءم مع طبيعة العصر ومتطلبات سوق العمل والإنتاج ، يؤثر في اقتصاد المجتمع سلبا أو إيجابا.

 

   ولا جدال في أن العولمة قد أفرزت ظواهر عديدة احتشدت وانتشرت وتعدت الحدود السياسية للدول، كما غيرت موازيين القيم الاقتصادية والسياسية والخلقية ، وبخاصة في عوامل الإنتاج والاستهلاك و التمويل والتجارة وغيرها .(عمار، 2000، ص141)، وتشير إحدى الدراسات إلي مدى العلاقة بين التعليم ومتغيرات العصر ، وتوضح " أن عدم استجابة التربية للمتغيرات سوف يحدث فجوة بين أداء المؤسسات التربوية والمؤسسات الخدمية والإنتاجية، مما يؤثر بشكل مباشر علي مخرجات التعليم ، ويظهر في شكل مشكلات اجتماعية كالبطالة والانحراف والعنف "(2001، ص 134)، ومن أبرز التحديات التي تواجه الأنظمة التعليمية في علاقتها بالواقع الاقتصادي ، إنها تعاني من ضعف تطابق مخرجاتها مع متطلبات سوق العمل .

 

   ومن هنا تصبح دراسة الجدوى الاقتصادية للتعليم في ظل ظروف العصر ومتطلباته ، من الأمور الضرورية .

 

 

 

الجدوى الاقتصادية للتعليم في عصر العولمة

 

   الجدوى الاقتصادية لسلعة أو خدمة  ما ، تختلف باختلاف العصر ، ويتوقف العائد الاقتصادي لها علي جودتها ، و جودتها تتوقف علي مدى تطابقها مع مواصفات العصر ومتطلباته ،  والجدوى الاقتصادية للتعليم تتطلب شروطا ومواصفات خاصة، يجب أن تتوافر في المخرجات؛  وهذا يفرض مواصفات ومعايير تخضع لها مدخلات النظم التعليمية ، حتى تحقق المخرجات وفق متطلبات العصر.

 

أهمية دراسة الجدوى الاقتصادية للتعليم في عصر العولمة

 

   إذا كان " لدراسة الجدوى الاقتصادية أهمية خاصة في الدول النامية ، لما لها من أثر فعال في تحقيق خطة التنمية ، ورفع مستوى المعيشة"(أبو بكر، وجيد، 2000، ص34) ؛ فإن دراسة الجدوى الاقتصادية للتعليم بعامة والتعليم المصري بخاصة  تعد ضرورية،لأن مصر والدول النامية في حاجة إلي تطوير قدراتها ، لتتمكن من المشاركة في السوق التنافسية العالمية التي أوجدتها عولمة الاقتصاد،وتسعى القوي الكبرى لفرضها علي بلدان العالم كافة، والعلاقة بين تطوير القدرات الاقتصادية والتعليم ،  عرفها الإنسان منذ القدم ، وأدرك أهمية التعليم والتدريب في تحسين مستوى معيشته؛ فالانقلاب الأول في حياة الإنسان علي الأرض ، لم يتحقق إلا بعد أن تعلم الإنسان الزراعة ، ثم جاء الانقلاب الثاني المتمثل في عصر المعادن ، نتيجة إدراك الإنسان ومعرفته بخصائص المعادن، واكتسابه مهارات الاستخراج والصهر والتصنيع لهذه المعادن .

 

   وهذه العلاقة بين التعليم والاقتصاد تزداد قوتها ، وفق الظروف السائدة في المجتمع ، والمتغيرات الخارجية والداخلية ، ولكن العلاقة دائمة وفي العصر الحديث" العلاقة بين التعليم والاقتصاد ظلت قوية ومازالت؛ فقد كانت نظم التعليم العام هي القوة الدافعة لبناء ما نسميه الآن بالثورة الصناعية، فإضافة إلي دورها التقليدي  بوصفها مصدراً للمعرفة والثقافة كان للمدارس دور جديد، تمثل في إعداد الشباب للعمل في المصانع والقطاعات الخدميةCaldwell and Hayward1998,p3,4).                                                                                                 

 

   وتكتسب دراسة الجدوى الاقتصادية للتعليم في مصر ودول العالم النامي، أهمية أخرى في عصر العولمة " لأن المعارف والمهارات التي توفرها نظم التعليم هي أساس نجاح برامج التنمية وخططها ؛ ويأتي التعليم علي رأس متطلبات الاستثمار  البشرى من أجل تحقيق أفضل إنتاجية ممكنة"(البنك الدولي،1995،ص، 56، نقلا عن سليم ، 2003،ص 2)، ويصبح رأس المال البشري في الدول النامية أو المتقدمة علي حد سواء ، أحد أهم دعائم اقتصادها ،  "دون التقليل من أهمية عنصر رأس المال المادي، فأن الأولوية يتعين أن تكون للعنصر البشري، أي الإنسان، فالإنسان المتعلم يستطيع أن يزيد التراكمات الرأسمالية المادية، وأن يرفع مستوى كفاءة استخدامها"(السعيد، 2003،ص57)،وهذا العنصر البشري في عصر العولمة لابد أن يكتسب مهارات جديدة، حتى يحقق نجاحا اقتصاديا في مجتمعه ، تمكنه من العيش في عالم المتغيرات والتحديات، ولهذا " صار هناك شبه إجماع بأن الدولة التي تعجز عن جعل أطفالها، بل كل مواطنيها لديهم المعرفة والمهارة للمشاركة في هذا النظام الاقتصادي العالمي الجديد، سوف تعاني من تدهور في مستوى المعيشية ونوعية الحياة "(Caldwell and Hayward1998,p3,5)ومن ثم يصبح علي المخططين للتعليم أن يعملوا في ضوء حقيقة"أن التخطيط للتعليم والتخطيط للتنمية الاقتصادية أمران مرتبطان، يؤثر كل منهما في الأخر ويتأثر به"(غنيمة،2000، ص49)

 

 

   يوضح الشكل العلاقة بين متطلبات العصر ، وتحقيق الجدوى الاقتصادية للتعليم ، وهذه المتطلبات تعد شرطا أساسياً لابد أن تحققه النظم التعليمية في مخرجاتها ، حتى تصبح هذه النظم قادرة علي ذلك، من الضروري تحقيق الجودة ، والجودة التعليمية ما هي إلا معايير العصر لنوعية مخرجات التعليم ، وفي حالة ما إذا تمكنت النظم التعليمية من تحسين مخرجاتها ، وجاءت تلك المخرجات علي درجة عالية من الكفاءة ، سوف تحقق في سوق العمل أقصى درجة ممكنة من الإنتاجية، ومن ثم تتحقق الجدوى الاقتصادية للتعليم ، والتي تتمثل في ارتفاع معدل العائد للفرد والمجتمع .

 

متطلبات العصر

 

   يتضح مما سبق أن تحقيق الجدوى يتوقف علي تحقيق الجودة ، وتحقيق الجودة يتوقف علي الاستجابة لمتطلبات العصر ، أي أن يكون التعليم عصري، ويتطلب هذا أن يكون  التخطيط للتعليم ورسم سيناريوهات التعليم المستقبلي في ضوء الفهم الشامل والعميق لمتطلبات العصر، أي يستوعب المخططون للتعليم متطلبات العصر، ومن ثم "يعكس التعليم روح العصر بحيث نرى كل جديد من حولنا رؤية عصرية تساعد علي التقدم والتطور وعدم الجمود"(إبراهيم،2000،ص35).

 

    في ضوء ما أسفرت عنه نتائج الدراسات والبحوث السابقة يمكن استخلاص متطلبات العصر:ـ

   في ظل العولمة تتزايد الأسئلة عن دور الدولة ، وكيفية تحقيق النمو الاقتصادي ، ومن المؤكد أن نوعية التعليم  ونظام التدريب هما الأساس  في تحقيق النمو الاقتصادي

المستقبلي (Halsey, and others,1997,p172)

 

    وحيث إن التعليم هو الأساس في النمو الاقتصادي تصبح " معرفة المفاهيم والأفكار الاقتصادية ضرورة للأفراد لتحويلهم إلي أفراد منتجين ، في المجتمع ، وقد تم تحديد المعارف الضرورية للفرد في أنها القدرة علي تحديد وتعريف وتحليل وتقييم النتائج المترتبة علي القرارات الاقتصادية واستنتاج الآثار المترتبة عليها بالنسبة للأفراد والسياسة العامة"  

     ,2002) Buckles).

وأيضا في ظل العولمة والمتغيرات العلمية ويعد" وجود أساس قوى للتعليم العام، وبخاصة في العلوم والرياضيات لتوفير المجال المعرفي، والمعرفة النظرية اللازمة للحرف المهارية التي أصبحت أكثر تعقيدا بسب التغيرات التكنولوجية"(مصطفى، 2001،ص 132) ضرورة للمجتمعات لتستطيع أن تشارك في المنافسة العالمية التي أصبحت سمة من سمات العصر الحالي ، حيث أصبح السباق العالمي في مجال المعرفة شرطا لامتلاك القوة" فالمعرفة لم تصبح المساعدة لقوة المال ، بل إنها العامل الأهم والوسيلة للوصول إلي القوة ، ومن ثم أصبحت السيطرة علي المعرفة ووسائل الاتصال تمثل نقطة الصراع بين دول العالم" Halsey, and others,1997,p174)) ، ويعني هذا أن  "عصر العولمة لا مكان فيه للقدرات العادية لدى الأمم في سوق التنافس القائم علي التميز في اكتساب  المعرفة وإنتاجها، ومن ثم يصبح التعليم بعامة والجامعي بخاصة، تعليما للتميز وللجميع، أي تعليما يشحذ طاقات كل متعلم وينميها إلي أقصى  ما يمكن أن تصل إليه، دون قبول أو رضا بمستويات النجاح العادي"(عمار،2000،ص149).

   ويشترط في هذا التعليم أن تكون مخرجاته متنوعة لتتمكن من المشاركة في عالم متعدد الأنشطة؛ وفي حاجة " إلي تنوع البشر وتمايزهم وتمكينهم من تلقي المعلومات وتنظيمها وحسن استخدامها في التفكير"(غنيمة،2001،ص137).

 

الخلاصة

 

   إن متطلبات العصر تقتضي من جميع الدول " إعادة النظر في التربية وفي جميع مؤسساتها الاجتماعية لمواجهة التحديات العالمية ، حيث إن الموارد البشرية أصبحت تمثل عاملا مهما في مجال المنافسة في الاقتصاد العالمي ، ولهذا تعد المميزات معتمدة علي الجودة والإنتاجية الخاصة برأس المال البشري ، وتعد كل من المعرفة والتعليم المواد الخام للتجارة العالمية " Halsey, and others,1997,p174))

 

   ويمكن تحديد متطلبات العصر في الآتي :ـ

ـ اكتساب جميع الأفراد للمهارات الجديدة ، التي لم تكن معروفة من قبل ، ليصبحوا قادرين علي التعامل مع مستحدثات العصر التكنولوجية

ـ أن يكون أفراد المجتمع قادرين علي إنتاج المعرفة ،إذ لم يعد المثقف أو المتعلم هو الفرد الذي يمكنه اختزان أكبر قدر من المعلومات ،فوسائط تخزين المعلومات أصبحت لها القدرة علي تخزين معلومات بقدر يفوق العقل البشري بكثير ، وتصبح مهمة العقل البشري هي تحويل المعلومات إلي معرفة واستخدامها في حل المشكلات

ـ مهارة العمل ضمن فريق ، نتيجة لتعقد أمور وقضايا الحياة العصرية ، فلم يعد العمل الفردي كفيلا بتحقيق حل لهذه  القضايا ، بل يجب العمل ضمن فريق ، وهذه مهارة لا تتحقق إلا بالتدريب والممارسة حتى يمكن اكتسابها.

ـ التفكير الإبداعي ، أي التفكير الذي يمكن أن يضيف جديدا للمجال الذي يعمل فيه الفرد .

ـ القدرة  علي التكيف مع الظروف الجديدة

   أي أن متطلبات العصر يمكن أن يطلق عليها مفهوم التنمية البشرية ، وهذا العصر هو عصر التنمية البشرية ، ولا تتحقق التنمية البشرية إلا عن طريق تعليم جيد ، وتصبح الجودة الشاملة في التعليم ليست مطلبا ترفيا ، بل مطلبا يتوقف عليه مستقبل المجتمع.

 

الجودة التعليمية

 

   معايير الجودة التعليمية معايير نسبية إلي حد ما ، لأنها متغيرة من عصر إلي عصر ، وتتوقف علي متطلبات العصر ، ومتطلبات العصر الحالي الذي سبق عرضها، تعد الأساس الذي تتحدد في ضوئه معايير الجودة " فالجودة تمثل مجموعة الخصائص أو السمات التي تعبر عن استيفاء المدخلات والعمليات والمخرجات في المؤسسة التعليمية لمستويات محددة ، تشكل في مجملها معايير الجودة الشاملة "(الموسوي، 2003،ص95).

 

   وتطبيق هذه المعايير والمواصفات ومراجعتها لا تتم عند قياس كفاءة المخرجات، بل إن "مثل هذه المراجعة والضبط لا يتمان في نهاية المرحلة ، بل في كل خطوة من الخطوات، ومع كل برنامج من البرامج، وكل عملية من العمليات، بحيث تتأكد من مطابقة الإجراءات للمواصفات المطلوبة والمعايير المحددة"(حسان، 1994، ص47) .

   ومن ثم يصبح التوصل إلي مدي تحقق الجدوى الاقتصادية ، يتطلب دراسة  واقع المدخلات والعمليات للتعليم ، وهذا يسهم في أن نحدد ما إن كانت هناك جدوى اقتصادية أم لا ، وتحديد ما ينبغي أن تكون عليه المدخلات والعمليات لتحقيق جدوى اقتصادية .

مدخلات التعليم بين الواقع والمأمول

   تتحدد مدخلات التعليم في التمويل والإدارة والمناهج والمعلم

1 تمويل التعليم

 

   تتوقف جودة التعليم علي كفاية تمويله، وهناك مقاييس عديدة لكفاية التمويل ومنها"ما تعرف الكفاية بدلالة النسبة المئوية من الناتج القومي الإجمالي المخصصة للتعليم ، وكانت نسبة8% غالبا هي المناسبة، أما إذا نسبت حصة التعليم إلي ميزانية الحكومة المركزية فإن النسبة المناسبة كانت في حدود 20% "(عابدين،2000،ص64).

 

   لقد تأثر تمويل التعليم نتيجة للعولمة الاقتصادية في دول العالم حيث"أحدثت العولمة الاقتصادية تغيرات عميقة في نظم التعليم ، وتوضح التقارير أن التصحيح الهيكلي للاقتصاد قد أثر علي مدخلات ومخرجات النظم التعليمية ، وبدا ذلك واضحا في خفض  الإنفاق  علي التعليم"(ماكجين،1997،ص 49).

 

   ومن تأثيرات العولمة في تمويل التعليم ، وتأثر التعليم بخفض التمويل ، علي سبيل المثال ما حدث في فيتنام ،إذ لوحظ انخفاض ميزانية التعليم من 9,3% عام 1991إلي 5,4% عام 1993وترتب علي ذلك :

ـ عجز المدارس فبعض المدارس الابتدائية يزيد عدد تلاميذها في الفصل ليصل إلي ما يزيد عن 60 تلميذ، بينما العدد النموذجي من 30 إلي 45 تلميذاً كحد أقصى مقبولاً

ـ العجز في المعلمين المؤهلين لانخفاض أجور المعلمين، حيث إن ثلث المعلمين الحاليين تقريبا غير مؤهلين

ـ ارتفاع معدلات التسرب ، ويشكل الفقر السبب الرئيس لهذه الظاهرةLiou,1998,p719,720)).

 

إن الارتباط بين كفاية تمويل التعليم وجودته علاقة وثيقة ، ويصبح واقع تمويل التعليم في بعض دول العالم ليس بالكفاية المطلوبة ، وما ينبغي أن يكون عليه تمويل التعليم حتى تتحقق الجودة ، أن تمول الدول التعليم تمويلا يحقق له كل متطلباته ، لا يتوقف عند نسبة معينة ، فإن كانت الدول لا تتقيد بحدود من أجل تمويل جيشها بوصفه يحقق أمنها ، فالتعليم أيضا أكثر فعالية في تحقيق الأمن ، وكما أشارت إحدى الدراسات إلي" أن الإنفاق علي التعليم قضية لها جذور تمتد عمقا لتستمد مقوماتها من فلسفة المجتمع وأهدافه الاجتماعية والاقتصادية والثقافية "( السهلاوي،2000،ص144).

 

تمويل التعليم في مصر

 

   إذا كان تمويل التعليم يرتبط بالكفاءة الاقتصادية للدولة ، ومصر تمر في السنوات الأخيرة بأزمة اقتصادية نتيجة " الاستجابة لمبدأ تحرير التجارة الخارجية مما أدى إلي زيادة الواردات، وخصوصا منذ عام 1996، في الوقت الذي لم يبذل فيه جهد كاف لزيادة الصادرات ، وكانت النتيجة ما يعانيه الاقتصاد المصري من تزايد العجز في الميزان التجاري، ففي عام 1998/1999 زادت الواردات بما يعادل 23% عن العام السابق، بينما انخفضت الصادرات في الفترة نفسها بما يعادل 19% ، مما ساهم في ضعف ميزان المدفوعات المصري ، وبالتالي سعر صرف الجنية المصري" (السعيد،2003،ص41،42).

 

   ولقد وضح أثر هذا العجز الناتج عن مسايرة مصر للعولمة الاقتصادية في خفض الإنفاق علي التعليم ، تشير البيانات الرسمية إلي هذا التقليل في تمويل التعليم ، فإن نسبة الإنفاق علي التعليم من الإنفاق العام للدولة كانت علي النحو التالي ، في عام 1997/1998 تعادل 14,9% من إجمالي الإنفاق العام للدولة ، في عام 1998/1999 كانت تعادل 14,8% من إجمالي الإنفاق العام، في عام 1999/ 2000كانت تعادل 14,7% من إجمالي الإنفاق العام للدولة(الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، 2002،ص253)،وبوصفه نتيجة يتضح من البيانات أن تمويل التعليم، في ذات الوقت الذي يتزايد فيه الطلب علي التعليم ، كنتيجة للزيادة السكانية , وما يفرضه العصر من توافر قدرات ومهارات للحصول علي فرصة عمل .

 

   وفي إطار المطالبة بتحسين أحوال التعليم ورفع جودته يطالب مجلس الشورى" بزيادة ميزانية التعليم لتصبح نسبة محددة من جملة الناتج القومي العام ، وتوفير مصادر تمويل إضافية من القطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية، ومن المنح والمساعدات الأجنبية"(مجلس الشورى، 2000)، ويرى الباحث أن تحديد نسبة من الناتج القومي أفضل الحلول المتاحة ، ولكن أن تكون نسبة مناسبة ، يراعى عند تحديدها  الضغوط الداخلية ، المتمثلة في الزيادة السكانية،والمتغيرات المستقبلية.

إدارة التعليم  

 

   إن تحقيق جودة التعليم، لا تتم إلا من خلال إدارة جيدة ، فسوء الإدارة كفيل بأن يفسد المدخلات الأخرى مهما كانت درجة جودتها ، ونوعية الإدارة تؤثر في سلوكيات العاملين والمتعاملين معها، وقد أكدت الدراسات في مجال الإدارة التعليمية في مناطق عديدة من العالم ، أن هناك قصوراً يشوب الإدارة المدرسية ،ومن أمثلة ذلك :

ـ إن المديرين يحتاجون إلي مهارات إدارية عديدة ليتمكنوا من التغيير ، لأن التغييرات التي تحدث في المدارس تتطلب ممارسين أكفاء متمرسين يستطيعون قيادة التغيير ، كما أكدت الدراسة افتقاد المسئولين بإدارة التعليم للخبرة بالشئون المالية.( (Du,2002.

 

   وأشارت دراسة أخرى إلي إن العملية التعليمية تكون أكثر كفاءة في ظل تقليل المركزية، وأن البيروقراطية تؤدي إلي غياب الكفاءة المدرسية . (Flanagan,2001).

 

  كما تؤكد إحدى الدراسات علي أن تحقيق الجودة في الإدارة ليس  مجرد معايير ، " فإن مفهوم الجودة الشاملة مجرد أسم ، ولكن الممارسة الحقيقية والتطبيق الفعلي هو ما يصنع الجودة ، والدراسة لا تهدف إلي تقويم معايير الجودة الشاملة ،إنما ترى أن التركيز علي الأوجه  الإيجابية لأساليب الإدارة التي تسهم في تحسين وتطوير المدرسة"( Colegrove,1999).

 

   ولتلافي هذه العيوب والتوصل إلي ما ينبغي أن تكون عليه الإدارة  الحديثة تشير إحدى الدراسات إلي المبادئ التي يجب أن تقوم عليها إدارة الجودة " ومن أهم مبادئ إدارة  الجودة الشاملة، القضاء علي الخوف لدى القيادات ، أو بمعنى أخر تشجيع القيادات وحثهم علي الإدلاء بآرائهم في الأمور الإ دارية أو مساعدتهم علي الابتكار الإداري، ويتطلب ذلك فهم المشكلة وتوليد الأفكار والتخطيط للتنفيذ للوصول إلي الحل الأمثل"(الشرقاوي،2002،ص35

 

  ولتحقيق الجودة التعليمية يصبح تدريب القيادات من الضرورات،وكذلك وتدريبهم علي استخدام التقنيات الحديثة وتطوير خبراتهم ، واختيار القيادات التي تتوافر فيها سمات الشخصية القيادية وتتمتع بالمرونة والجرأة علي اتخاذ القرار والقدرة علي استيعاب كل جديد في مجال الإدارة.                    

إدارة التعليم في مصر

 

   في عصر العولمة والمعلومات والتطور التكنولوجي ، تصبح الإدارة الفعالة جزءاً مهماً في العملية التعليمية ، وهي التي يمكن أن تسهم في حل كثير من المشكلات التي يواجهها التعليم ، إلا أن الدراسات تفيد بأن" فريق الإدارة المدرسية لا يمتلك مهارات مثل تنمية الثقة والمصارحة ، وأن الأداء الإداري قاصر ، وكذلك عدم الاهتمام بتدريب القيادات المدرسية"(الشرقاوي،2002ص:ص 137:134).

 

   ولهذا يوصي تقرير مجلس الشورى" بضرورة توفير إدارة مدرسية تتمتع بالديناميكية والمرونة وتقوم علي مركزية التخطيط ولا مركزية التنفيذ"(مجلس الشورى،200)

 

المناهج

 

   المنهج وما يتبعه من عمليات كالتدريس والتقويم ، يعد من أهم المدخلات التي سوف يمكن أن تحقق جودة في التعليم في عصر العولمة ،لأن متطلبات العصر يرتكز تحققها علي نوعية المنهج ، والمنهج التقليدي لم يعد يتلاءم مع العصر ، وغير قادر علي إعداد الأفراد الذين يمكنهم تحقيق مشاركة فعالة في سوق المنافسة العالمية ،  ودون المبالغة في القول فإن الشهادات الدراسية التي منحت علي أساس المنهج التقليدي تعد منتهية الصلاحية في الوقت الراهن، إن لم يتم إعادة تدريب أصحابها علي المهارات والمعرفة الحديثة، ولهذا ينبغي مراعاة" مطالب أساسية عند صياغة منهج مثمر ، وهي شموليته لمتطلبات العصر، ومرونته وقدرته علي التطبيق والتجدد، وملاءمته لقدرات المتعلم،والتزامه بثوابت الأمة ومقوماتها، أما دائرته فهي متجددة المساحة حسب طبيعة العصر وحاجات المجتمع"(المشيقح،2002،ص 5

 

   لتحقيق متطلبات العصر المعرفية والمهارية من" الضروري تعليم التلاميذ مهارات العثور علي المشكلات وحلها، كما أن التفكير الناقد مهم، وكذلك التفكير الإبداعي ، وكذلك توافر مهارات الاستقراء والاستنباط التي تعد شرطا منطقيا للوصول إلي النتائج"(أوتشليدا ،و آخرون، 1998،ص23،22).

كما يجب أن يسعى المنهج  إلي إكساب الأفراد المهارات الجديدة " وعلي المدارس أن تتأكد من اكتساب غالبية الشباب للمهارات والمعرفة التي كانت لا تتاح إلا للقلة ، ومن ثم عليها التركيز علي كم جديد من المهارات لم تكن أبدا في جدول الأعمال مثل المعرفة الحاسوبية الدقيقة، والقدرة علي العمل ضمن فريق"(أولسون ،2000ص14).

 

   بدأت دول العالم تسارع إلي تحديث مناهج التعليم للوصول بمواطنيها إلي المستوى الذي يمكنهم من الحياة مع المتغيرات العصرية ومجابهة أي تحديات آنية أو مستقبلية، ولهذا كانت الاستجابة لمتطلبات العصر هي السمة المشتركة بين التطوير الحديث في مناهج التعليم بدول العالم المختلفة ، ففي كمبوديا بدأ تطوير مناهج التعليم بهدف تحسين كفاءة الطلاب وتعزيز معرفتهم بالبيئة المحيطة حولهم، ويهدف أيضا إلي تنمية روح الإبداع لدى الطلاب عن طريق تبادل وجهات النظر حول الموضوعات التي يتعلمونها(Ministry of education, Youth and Sport,1999)

 

مناهج التعليم في مصر

 

   علي الرغم من أن وزارة التربية والتعليم في مصر ، تشير في تقريرها عن  التطور الكيفي للتعليم، بأنها قامت بتحديث المناهج بما يتفق مع المتغيرات المحلية والعالمية ، وربط المناهج باحتياجات المجتمع وسوق العمل، والتركيز علي ما اصطلح علي تسميته بعلوم المستقبل من رياضيات وعلوم ولغة وحاسب آلي  (وزارة التربية والتعليم,2004)؛إلا أن الدراسات التي

أجريت عن التعليم في مصر تؤكد في مجملها علي عدم ملاءمة المناهج لمتطلبات العصر ، وكذلك الطرق والوسائل مازالت تدور في فلك التقليدية ، وأكدت إحدى الدراسات علي "أن أكثر الوسائل استخداما من جانب المعلمين في عملية التدريس السبورة والطبشور ، وكذلك المخططات والأشكال التوضيحية والخرائط والرسوم،  وأن أقل الوسائل استخداما أجهزة عرض الشرائح الضوئية والشفافات "(رزق،2001،ص62)، وهذه دلالة علي عدم مواكبة الوسائل المستخدمة في عملية التدريس لتقنيات العصر ، فأيسر التقنيات التكنولوجية لا تستخدم بل مازال الاعتماد علي الوسائل التقليدية .

 

   وتشير الدراسة أيضا إلي " أن أكثر الأساليب التي يستخدمها المعلمون في التدريس ، المناقشات والمحاضرة والإلقاء ، وأقل الطرائق استخداما إجراء الدراسات والبحوث وتمثيل الأدوار"(رزق،2001،ص62).

   ولا يتوقف أمر تقليدية المناهج والوسائل وأساليب التدريس عند مستوى التعليم ما قبل الجامعي ، بل والتعليم العالي أيضا ودراساته العليا حيث تشير دراسة إلي " أن برامج الدراسات العليا التربوية تقليدية تخلو من الإبداع والابتكار ، وتركز علي الجوانب أكثر مما تركز علي تنمية الطلاب علميا ومهنيا وعمليا ولا تتماشى مع التطور العلمي والتكنولوجي الحادث في العالم المتقدم"(عبد العال،2001، ص28) ، كما أكدت دراسة أخرى انخفاض جودة خريج شعبة المعلم التجاري(حربي،ورزق،2002،ص114).

 

   وما أسفرت عنه الدراسات السابقة ، أوضح إلي أي مدى أصبح التعليم في مصر ، بحاجة إلي مراجعة دقيقة لمناهجه وطرق وأساليب تدريسه ، حتى يصبح تعليما عصريا، وفي إطار محاولة رفع مستوى التعليم العالي التي تقوم بها وزارة التعليم العالي يتضح لنا مدى ما يعانيه،

التعليم العالي من تقليدية المناهج، مما دعا إحدى لجان التطوير إلي التركيز علي "ضرورة إحداث نقلة نوعية في التعليم الجامعي ، لسد الفجوة بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، هذه النقلة تهدف إلي تحويل الجامعات المصرية من جامعات تقليدية توظف أساليب تدريس تقليدية قائمة علي تكنولوجيا متواضعة ، ومستوى جودة منخفض لترقى إلي  مصاف الجامعات العصرية من حيث أساليب التدريس وتوظيف التكنولوجيا"( اللجنة القومية لإدارة مشروع تنمية قدرات أعضاء هيئة التدريس والقيادات،2003،ص4).

 

   وفي إطار إصلاح التعليم يؤكد مجلس الشورى علي ضرورة"توفير قدر أكبر من الخبرات المستمرة التي تمكن الطلاب من ناصية العلوم الأساسية كالرياضيات والكيمياء وعلوم الكمبيوتر واللغة الأجنبية وإدارة الأعمال والتسويق والمهارات الجماعية والاتصالية"(مجلس الشورى،2003).

 

المعلم

   تتطلب الجودة التعليمية وفق متطلبات ومتغيرات العصر ، معلماً قادراً علي مسايرة كل جديد في تقنيات التدريس وأساليبه، وأيضا أن تكون له القدرة علي إكساب طلابه المهارات وطرق التفكير العلمية .

 

    ونتيجة للتعقيدات التكنولوجية وتحديات العصر سوف " تواجه المعلم خلال مهنة التربية، معوقات تعمل علي الحد من طاقاته وإنتاجيته، إلي الدرجة التي تضعه وتضع النظام التربوي الذي يعمل فيه، بل وتضع سياسة إعداده داخل الكلية موضع اتهام أمام الرأي العام، ويدعهم إلي التطاول علي مفهوم نظرية رأس المال البشري، والحد من القيمة الاقتصادية للمعلم والمتعلم"(غنيمة،1996،ص17)

  

   ولتحقيق ما ينبغي أن يكون عليه المعلم في العصر الحالي، ينبغي مراجعة ‘وإعادة النظر في سياسات إعداد المعلم وتدريبه ، ليواكب ما تمخض عنه العصر من تقدم في المجالات المختلفة، ومعلم المستقبل" سيكون مجرد موجه لسير عملية التعليم ومديرا لموقف تعليمي أكثر من كونه مصدرا وحيدا للمعرفة أو مانحا لها، وبالتالي لابد من تطوير قدراته علي أن يكون فاعلا وليس معوقا "(مطاوع، 2002،ص39). 

 

المعلم في مصر

 

   لم يزل إعداد المعلم المصري يعاني من العديد من المشكلات، ومازال هذا الإعداد لم يرتق إلي المستوى الذي يؤهله لمواكبة العصر وتقنياته، وكشفت الدراسات عن وجود " مشكلات تواجه ثقافة تكوين المعلم وسياسة القبول ونظام الدراسة وبرامج الإعداد، وقصور في مستوى توافر التجهيزات التعليمية والتكنولوجية ، وانخفاض مستوى جودة المهارات المطلوبة"(حربي،و رزق،2002،ص114).

 

      ويؤكد غياب أهداف سياسة إعداد المعلم " ما كشفته لوائح كليات التربية من عدم وجود أهداف محددة تحديدا واضحا وشاملا  وإجرائيا مما يؤدي إلي ضعف الصلة بينها وبين المسئوليات المستقبلية التي ينبغي أن يقوم بها المعلم "(غنيمة،1996،ص192).

 

   حيث إنه لا جودة بلا مهارات وجدارات لأعضاء هيئات التدريس والقيادات التي سوف تلعب دورا فعالا في رفع كفاءة مخرجات التعليم العالي (اللجنة القومية لإدارة مشروع تنمية قدرات أعضاء هيئة التدريس والقيادات، دليل برامج التدريب،ص2)، ولتحقيق الجودة والارتقاء بمستوى مخرجات التعليم ، ينبغي أن يتم تعديل سياسة إعداد المعلم وتدريبه " ويجب أن

تصمم برامج التدريب بحيث تقابل الاحتياجات التدريبية للمتدربين، وتهدف إلي تلبية الاحتياجات وإشباعها ، وبقدر الدقة والموضوعية في تحديد تلك الاحتياجات تتحدد فعالية و كفاءة البرنامج التدريبي "(رزق، 2001،ص 5،4) ، ولتطوير إعداد المعلم أوصى تقرير مجلس الشورى " بأن تصل مدة الدراسة بكليات التربية إلي خمس سنوات في النظام التكاملي ، علي أن يخصص 75%  للإعداد التخصصي و20% للإعداد المهني، و5% للإعداد الثقافي، وأيضا تطوير برامج التدريب الحالية، وتقديم منح تدريبية للمعلمين للحصول علي الدبلومات المهنية ، وتشجيعهم علي استكمال الدراسات العليا "(مجلس الشورى،200)

 

الجدوى الاقتصادية للتعليم المصري

 

   إن كانت دراسات الجدوى هي مجموعة متكاملة من الدراسات التي تجرى لتحديد مدى صلاحية المشروع الاستثماري من عدمه، من عدة جوانب قانونية وتسويقية وإنتاجية ومالية واجتماعية لتحقيق أهداف محددة والتي يمكن في النهاية من اتخاذ القرار الاستثماري الخاص بإنشاء المشروع من عدمه( عبدالرحيم،2003، 2)، وعند دراسة الجدوى الاقتصادية للتعليم "بوصفه استثماراً، قياس الإسهام المتوقع للتعليم للمستويات المستقبلية في الدخل والمخرجات ، متمثلة في المهارات والمعارف التي تكتسبها القوى العاملة ،ومن ثم تحسين إنتاجية العمالة المتعلمة"( حجي،2002، ص 200)وذلك يتطلب تناول العديد من الجوانب عند دراسة الجدوى الاقتصادية التعليم وهي:

1 ـ أهداف مشروع التعليم المصري

2ـ الجودة الإنتاجية ( الجودة التعليمية)

3ـ العائد المتوقع من المشروع

 

أولا أهداف مشروع التعليم المصري

 

   إن كان توظيف التعليم قد يركز في فترات زمنية معينة علي هموم ومقاصد محددة ذات أولوية مجتمعية، من المفروض إنجازها في تلك المرحلة ، وقد كان التركيز علي مقاصد التعليم المصري منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر علي بناء الدولة ومؤسساتها ، والتركيز علي قضايا الاستقلال السياسي، ها هو اليوم يعطي تركيزا خاصا لهذه الأمة الغرقى وسط عالم يموج بالمتغيرات والمخاطر(عمار،1998،ص39)، وتعدد جوانب  التحديات والمخاطر التي ينبغي أن يوظف التعليم المصري من أجلها يؤدي إلي  تعدد أهدافه ومحاوره:

 

1ـ الهدف الاقتصادي

 

   إن الأهمية الاقتصادية للتعليم المصري تتزايد في عصر العولمة، وخاصة لتزايد المنافسة العالمية ، " وليس من قبيل المبالغة في القول أن الحصول علي موقع قدم في السوق العالمية ، يقف عند أعتاب مدارسنا وجامعتنا، وما يدور من تفاعل بين كل عناصرها، من أسس وتجهيزات ومبان وغيرها، فالتعليم وما يرتبط به من تدريب يقع موقع القلب في أي إصلاح أو تطوير اقتصادي منشود ، فالواقع التعليمي في  أية دولة أصبح ذا أبعاد دولية متعددة الجوانب، حيث أصبح من الواجب أن تتوافر مهارات وقدرات عقلية وذهنية معينة المستوي"(عمارة،2000،ص26)، وكما أوضح البحث في تناوله لتحديات العولمة هذا الارتباط بين تعلم المهارات والمعلومات والمعرفة الجديدة التي يكسبها التعليم للأفراد وبين النمو الاقتصادي، مما يؤكد علي أهمية الجانب الاقتصادي في المشروع التعليمي في مصر.

 

2ـ الهدف السياسي والقومي

 

    قد يعتقد البعض أن الصراع العربي الإسرائيلي قد أنتهي بمعاهدات السلام، أو أن خطر الاستعمار الأجنبي قد أنتهي ، ولكن الحقيقة أن الخطر الإسرائيلي مازال قائما، وأن الاستعمار وأن تغيرت أشكاله مازالت أهدافه القديمة المتمثلة في السيطرة والهيمنة  باقية، ومازال الخطر الاستعماري المحدق بمصر لموقعها ومكانتها كامنا في عقول قادة الإمبريالية في العالم الغربي،

ويأتي التعليم في أولوية الجهود التي يجب أن تبذل من أجل الحفاظ علي سلامة مصر واستقلالها ، و الحالة العلمية والتعليمية تستدعي بالضرورة الاهتمام بالتعليم بوصفه مشروعاً استثمارياً؛ فالبيانات المتوفرة تفيد بأسبقية إسرائيل علي مصر في التعليم والبحث العلمي ، ففي الوقت الذي تمثل فيه نسبة الإنفاق علي البحث العلمي من الدخل في مصر 7,% يقابلها إنفاق إسرائيلي علي البحث العلمي بنسبة2,03%، وبينما تبلغ نسبة الملتحقين بالتعليم العالي من الشريحة السنية 18: 23 22% في مصر يقابلها نسبة 39% في إسرائيل ( مجلس الشورى،2000)

وحيث إن قوة الدولة في العصر الحالي  لا تتوقف علي تعداد سكانها ،ولا مقدار ما تمتلكه من أسلحة بقدر ما تتوقف علي مستوى التعليم والمعرفة لدى أفرادها.

 

   ومن ثم فإن أهمية هدف التعليم السياسي والقومي يعد استثماراً غير منظور ،بل قد يفوق في عائده علي المجتمع العائد الاقتصادي المنظور من الهدف الاقتصادي للتعليم .

 

3ـ الهدف الثقافي

 

   في ظل تحديات العولمة الثقافية التي تٌعد وسيلة للتدخل في شئون الدول ، وسعيا لمسخ هويتها ، والتي لا يمكن التعامل معها إلا من خلال التحصن بتعليم وطني يحافظ علي الهوية والأصالة المصرية التي باتت"  أكثر عرضة للتهديد تحت تأثير الإعلام الغربي المتقدم الذي يسعى بشكل واضح لفرض مفردات حضارة الغرب علينا "(طعيمة، 2002،ص202).

 

   وكما سبقت الإشارة إلي أن اللغة القومية مستهدفة من العولمة الثقافية ، وذلك لأن اللغة هي وعاء ثقافة الشعوب ,و وسيلتها في نقل فكرها وثقافتها ؛ والحفاظ علي اللغة القومية في مصر، لا سبيل إليه إلا عن طريق التعليم حيث إن" قوة اللغة في كل زمان ومكان رهن بقوى ثلاث؛ هي:القوة الاقتصادية والقوة السياسية والقوة الفكرية التعليمية"(عصر،1999، ص

179 ) ويصبح التعليم هو القادر علي تحقيق القوى الثلاث ، مما يزيد من قوة اللغة وبقائها

 

4ـ الهدف الاجتماعي

   يواجه المجتمع المصري بعض المشكلات التي تؤثر علي مسيرة تقدمه ، وتعوق نموه ، وحل هذه المشكلات يكمن في التعليم .

   مشكلة الفقر، نتيجة للتحديات الاقتصادية ، والممارسات الخاطئة لحق الفقر بالمجتمع المصري ، مما له أسوء الأثر علي التنمية الشاملة؛ وقد بلغ حد الفقر في مصر إلي أن" فئة محدودي الدخل أصبحت تمثل 98% من الشعب المصري، ويدخل معهم فئة أخرى دائما يتم تحاشي الحديث عنها وهي فئة معدومي الدخل أو الطبقات ذات الأعمال المهمشة، التي تعيش تحت خط الفقر وهي نسبة لا يستهان بها"( قاسم، 1998، ص19) ،وما يترتب علي هذه المشكلة من مشكلات الانحراف وزيادة معدلات الجرائم ؛ والقضاء علي مشكلة الفقر تتطلب الارتقاء بمستوى الأفراد المعرفي والثقافي " فالمعرفة تمثل حجر الزاوية للتنمية البشرية ، كما أنها أهم سبل وتعزيز قدرات الشعوب ، وتشكل المعرفة أيضا الأداة الكفيلة بالقضاء علي الفقر ، وتمثل المعرفة عاملا ديناميكيا رئيسا ومؤثر في زيادة الإنتاج والقدرات الإنتاجية "(راولي، 2003، ص 1)  .

 

    و أما مشكلة البطالة فإن العامل الرئيس لحلها ، وجود نظام تعليمي يعتمد علي الجودة الشاملة ، وتصبح مخرجاته قادرة علي المنافسة في سوق العمالة العالمي ، بما قدمه لها التعليم من مهارات ومعرفة .

 

ثانيا :الجودة الإنتاجية

 

   والجودة الإنتاجية في مجال التعليم ، تتمثل في الجودة الشاملة لمدخلات التعليم وعملياته والمخرجات، وسبق أن تناول البحث الجودة الشاملة في التعليم

 

ثلثا : العائد المتوقع من مشروع التعليم المصري

 

   لا يقاس عائد التعليم بالعائد الاقتصادي المنظور ، فعوائد التعليم غير المنظورة ، كما وضح من الأهداف ربما تكون أكثر من العوائد الاقتصادية المنظورة ، فتربية الفرد في المجتمع المصري تعد في حد ذاتها استثمارا ، ومن ثم فإن مشروع التعليم المصري مشروع مهم للمجتمع المصري وجدواه سوف يكون لها اكبر الأثر في حياة المجتمع المصري .

     وإن تحقيق الجدوى الاقتصادية المستهدفة ، سوف تتوقف علي العوامل الخاصة بجودة التعليم ، فلا جدوى دون جودة.

الخاتمة

   تناول الباحث عرض قضية من القضايا التي تشغل اهتمام المجتمعات في دول العالم كافة، وهي كيفية التعامل مع متغيرات العصر ، والآثار المترتبة علي شئون الحياة نتيجة لهذه المتغيرات ، والتعليم  بوصفه جزءاً فعالاً في منظومة المجتمع يؤثر فيها ويتأثر بها ، يعد من أكثر شئون الحياة تأثرا بهذه المتغيرات .

 

   والعولمة  من المتغيرات التي فرضت نفسها بقوة في هذا العصر، لأنها في جوهرها عملية

اقتصادية ، وكما هو معلوم؛ فأن الاقتصاد عصب المجتمعات الإنسانية، إذ يؤثر في مناحي  حياة المجتمع بعامة،وقد وتوصل الباحث من خلال الدراسات والبحوث التي أجريت في هذا المجال إلي  ما يأتي :

ـ العولمة  ظاهرة اقتصادية تهدف إلي سيطرة رأس المال العالمي علي القوى السياسية والعسكرية والثقافية والاجتماعية في العالم.

ـ العولمة فكرة صهيونية، تحاول عن طريقها منظمات الصهيونية العالمية السيطرة علي العالم.

 

   ومن المتغيرات التي شهدها العصر الحالي ، هذا التطور الكبير في مجال التكنولوجيا والمعلومات و وسائل الاتصال ؛والذي يعد غاية في التطور والتعقيد ، الأمر الذي جعل من هذا التقدم عائقا وتحديا لمجتمعات الدول النامية، التي لم تتمكن نظم التعليم فيها من ملاحقة كل هذا الكم من التطور .

 

  أما في مجال التعليم، فلقد تأثر التعليم بفعل قوى المتغيرات ، الذي فرضت عليه مهارات ومعلومات جديدة ، و أصبح التعليم مسئولا أمام الرأي العام في المجتمعات ،عن كل ما يلحق بها من قصور اقتصادي أو سياسي أو ثقافي، وعلي الرغم من أن البعض يشكك في قدرات التعليم علي القيام بمهامه ، جدواه الاقتصادية ، ونظرية رأس المال البشري، فأن التعليم أفضل

   أنواع الاستثمار، وأن كان الكثير من عوائده غير منظور ، وأن تحقق الجدوى الاقتصادية للتعليم ، تتوقف علي جودة مدخلاته، ومن ثم جودة مخرجاته ؛ فتتحقق الجدوى ؛ ويعظم العائد.

 

المراجع

1ـ إبراهيم، مجدي عزيز، تطوير التعليم في عصر العولمة، القاهرة: مكتبة الأنجلوا،2000.

2ـ أبو بكر،مصطفى م2

                                         Institutes for Research,2002.

  عودة إلي الصفحة الرئيسة

عودة إلي بحوث الدكتور